يبدو أن مقولة أن التاريخ يعيد نفسه صحيحة. فصدام حسين 1979 يعود إلى الحياة في 2024 بجسد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وحساباته الخاطئة نفسها.
ولتفصيل هذه الفكرة نعود إلى العام 1979، حين كان صدام حسين قد أمضى أسابيع قليلة فقط في موقع الرئاسة عندما وجد نفسه في هافانا، في أيلول (سبتمبر) 1979، مشاركًا في قمة حركة عدم الانحياز.
كانت الثورة الإيرانية قد أطاحت بالشاه قبل أشهر، وكان العراق وإيران يقتربان بسرعة من مواجهة خطيرة. كانت هناك توترات على الحدود، وعمليات استفزاز وتفجيرات ومشكلات متصاعدة بين البلدين. ومع ذلك، لم تكن الحرب قد بدأت بعد.
في ذلك الوقت، كان صلاح عمر العلي يشغل منصب ممثل العراق الدائم لدى الأمم المتحدة، وكان ممن عايش صدام حسين منذ سنوات طويلة، وعرف أصله وفصله.
وفي هافانا حدث لقاء يستحق، في تقديري، أن يتوقف عنده المؤرخ طويلًا.
طلب إبراهيم يزدي، وزير الخارجية الإيراني في حكومة الثورة، لقاء صدام حسين. ونقل صلاح عمر العلي الطلب إلى صدام، ثم حضر اللقاء الذي جمع الرجلين.
المفارقة أن الاجتماع، كما يروي العلي، كان إيجابيًا إلى حد كبير.
كان يزدي، بحسب انطباع العلي، مخلصًا وصادقًا في احتواء الأزمة ومنع تطورها إلى حرب. وكان مستعدًا لمناقشة الخلافات العراقية الإيرانية، والبحث عن حلول لها.
ويقول الراحل صلاح إنه فوجئ باللهجة الدبلوماسية الإيجابية المتجاوبة مع طروحات الوزير الإيراني، حتى إن الطرفين اتفقا، بحسب رواية صلاح، على تبادل الوفود لمتابعة المشكلات بين البلدين.
كان المشهد يوحي بأن باب السلام أصبح أقرب إلى الانفتاح.
لكن ما حدث بعد خروج إبراهيم يزدي كان مختلفًا تمامًا.
خرج صدام إلى الحديقة، وتبعه صلاح عمر العلي وهو سعيد بنتائج اللقاء الذي رأى فيه فرصة حقيقية لتحسين العلاقات بين بغداد وطهران، فبدأ يشجع صدام على الاستمرار في هذا الطريق.
هنا، بحسب شهادة صلاح، تغير كلام صدام. لم يعد يتحدث عن الدبلوماسية ولا عن تسوية الخلافات.
قال له، بمعنى واضح، إن إيران تعيش حالة من الاضطراب والانقسام، وإن هذه فرصة نادرة للعراق لاستعادة حقوقه.
وفي رواية لاحقة نُشرت عن صلاح، جاءت العبارة أكثر صراحة:
"يا صلاح، انتبه. هذه الفرصة قد لا تتاح إلا مرة كل مائة سنة. الفرصة متاحة اليوم. سنكسر رؤوس الإيرانيين، وسنعيد كل شبر احتلوه، وسنعيد شط العرب".
ثم طلب منه، بلهجة حازمة، ألا يعود إلى الحديث عن الحل السلمي مع إيران، وأن يستعد في الأمم المتحدة لما سيأتي.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من عامل واحد لا يمكن تجاهله:
لقد قيل هذا الكلام في أيلول (سبتمبر) 1979، قبل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بنحو عام كامل.
وفي مقابلة مع تلفزيون الجزيرة أكد صلاح عمر العلي أن صدام أبلغه بالفعل، قبل الحرب، بأن الحرب قادمة، وأنه سيشنها على إيران لاستعادة ما اعتبره حقوق العراق.
لكن أخطر ما في رواية هافانا، في رأيي، ليس مجرد أن صدام كان يفكر في الحرب. الأخطر هو كيف كان يرى الحرب.
كان ينظر إلى إيران بعد الثورة باعتبارها دولة مضطربة، وجيشها في حالة ضعف، وقيادتها الجديدة تواجه مشكلات داخلية، ولذلك بدا له أن الفرصة التاريخية قد حانت.
لقد رأى في اضطراب إيران ضعفًا دائمًا، ولم يرَ فيه بالضرورة مرحلة انتقالية يمكن أن تنتهي بظهور دولة أكثر قدرة على التعبئة والمواجهة. وهنا بدأ الخطأ الأكبر.
فالحرب التي ظن صدام أنها ستكون قصيرة وسريعة تحولت إلى حرب استمرت ثماني سنوات، واستنزفت العراق وإيران معًا، وغيّرت تاريخ المنطقة بصورة عميقة.
في الغرفة، أمام وزير الخارجية الإيراني، كان صدام رجل دولة يتحدث بلغة الدبلوماسية والتفاهم.
وفي الحديقة، بعد خروج الوزير الإيراني، كان يتحدث عن الحرب واستغلال ضعف إيران. وهنا تكمن إحدى سمات شخصية صدام السياسية التي ظهرت مرارًا في السنوات اللاحقة: مخاطبة كل طرف بلغة، بينما يتحدث في داخله بلغة أخرى.
إن هذه الشهادة تثبت أن فكرة المواجهة العسكرية كانت حاضرة بقوة في ذهن صدام، قبل الحرب بحوالي عام، وأنه كان يرى في ظروف إيران فرصة ينبغي استغلالها.
وفي 22 أيلول (سبتمبر) 1980 بدأت الحرب. وبعد أيام وأسابيع وأشهر وأعوام، لم تسقط إيران كما توقع صدام.
وبدل أن يخرج العراق منها أقوى، خرج مثقلًا بالديون، وبجيش ضخم، واقتصاد منهك، ومجتمع غارق في الحزن واليأس والقنوط.
وبعد نحو عام، لم تعد الكلمات في حديقة هافانا مجرد حديث بين رجلين. تحولت إلى حرب. وتلك الحرب ستصبح، في النهاية، واحدة من أكبر الكوارث في تاريخ العراق الحديث.
أليس هذا هو المشهد نفسه الذي يعيد التاريخ إنتاجه، ولكن هذه المرة برئيس اسمه دونالد ترامب، ودولة اسمها الولايات المتحدة؟ رئيس يرى في اضطراب خصمه فرصة، وفي التفوق العسكري ضمانة للحسم، وفي الحرب أداة يمكن التحكم بمداها ونتائجها؟
قد تختلف الشخصيات، وقد تختلف الدول والظروف، لكن الحساب الخاطئ يبقى واحدًا: الاعتقاد بأن ضعف الخصم في لحظة معينة يعني القدرة على إخضاعه، وأن الحرب يمكن أن تبدأ بقرار وتنتهي بالنتيجة التي يريدها صاحب القرار.
وقد تختلف التفاصيل، لكن التاريخ لا يضمن أبدًا أن تكون النتائج مختلفة. وهنا تكمن العبرة التي لا ينبغي أن تضيع في هذه القصة.
لم تكن مأساة حرب العراق وإيران في أن صدام حسين قرر الحرب فقط، بل في أنه أغلق، قبل الحرب، أبوابًا كان يمكن أن تقود إلى تفاهم، ثم اكتشف بعد ذلك أن فتح أبواب الحرب أسهل بكثير من إغلاقها.
ولذلك، فإن التاريخ لا يروي هذه القصة اليوم لكي يدين صدام وحده، وإنما لكي يحذر كل من يملك قرار الحرب من الوقوع في الخطأ نفسه.
إلى دونالد ترامب، وإلى القيادة الإيرانية، ما زال هناك وقت لتصحيح الحسابات. قد تكون بين الولايات المتحدة وإيران خلافات عميقة، وقد تكون هناك ملفات لا يمكن حلها في يوم أو سنة، لكن الخلاف ليس قدرًا محتومًا، والحرب ليست الطريق الوحيد لحسمه.
إن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في نتائج الحرب، كما أن القدرة على تحمل الضربة الأولى لا تعني القدرة على تحمل حرب طويلة. وما يبدو اليوم فرصة لإضعاف الخصم قد يتحول غدًا إلى أزمة لا يستطيع أي طرف التحكم بمسارها.
فحتى عندما تبدو الهوة واسعة، يبقى باب التفاوض أقل كلفة من باب الحرب. وحتى عندما يبدو الخصم ضعيفًا أو مرتبكًا، لا ينبغي تحويل ذلك إلى وهم بأن إخضاعه سيكون سهلًا.
والدرس الذي تركته حرب العراق وإيران واضح: لا تنتظروا حتى تصبح الحرب هي التي تختار لكم نهايتها.
صححوا حساباتكم الخاطئة، وابحثوا عن باب للسلام وافتحوه، ولا تغلقوه كما أغلقه صدام حسين في هافانا.


