خالد بن حمد المالك
تكبرني بسنتين، فسمح هذا التقارب في العمر لأن نعيش طفولتنا معاً، ننام في غرفة واحدة، ونلهو ونلعب في صغرنا معاً، وحين داهمنا المرض في طفولتنا فقد جمعنا السفر إلى جدة لتلقي العلاج، وفي مسيرتنا الحياتية هناك ود، ومحبة، وتقدير، واحترام، بدأ منذ النشأة وكبر مع السنين، وترسَّخ مع التقدم في العمر.
* * *
كانت شقيقتي زينب -رحمها الله- ودودة، ومحبة، لا نسمع منها إلا ما رقَّ وآنس وجذب من الكلمات والنقاش، في هدوء ووقار، تواضع وإنكار ذات، وروح تختزن جميل القول، وتحتفظ بالكثير من الثراء في حسن المنطق، باختيار وانتقاء ما طاب من المفردات والمعلومات.
* * *
هي هكذا، محبوبة الأسرة، قريبة من الجميع، وكل يعتقد أنه أقرب لها من غيره، وأنها تحتفظ له من التقدير ما لا يجده آخرون عندها، غير أن الحقيقة أن كل الأشخاص سواسية في ميزان تعاملها الراقي، حيث يجد منها من التقدير والالتزام مثلما تعطيه لغيره، فهي نموذج من النساء التي لا تفرِّق بين أحبابها، وممن تغدق عليهم من عواطفها الشيء الكثير دون استثناء.
* * *
عانت كثيراً من التعب، والتردد على المستشفيات في السنوات العشر الأخيرة من عمرها، وكانت صابرة، ومحتسبة، ولا نسمع منها ما يشير إلى معاناتها، نسألها عن آلامها، عن نومها، عن طعامها، فلا تجيب بغير أنها في أحسن حال، فيما هي تمر بحالات مرضية صعبة، لكنها لا تريد أن يمتد مرضها، بما يزعج محبيها وأقربائها.
* * *
زينب بنت حمد المالك -أم عادل- تملك ذاكرة قوية، حتى وهي تعاني ما تعانيه، وكثيراً ما كانت تروي لنا من القصص والحكايات والأحداث والذكريات ما غابت عن أذهان من هو في سنها أو أصغر منها، وفي رواياتها الكثير من الطرائف والغرائب، ما تؤنس به مجلسها وزوارها، وتريح به من يستمع إليها، في قصص نادرة، كانت تحتفظ بها ذاكرتها القوية.
* * *
في شخصية زينب ظهرت بوادر أمومتها مبكراً قبل أن تتزوج وترزق بأبناء وبنات، فكانت بمثابة الوالدة لأشقائها في حال غياب الوالدة، اهتمام، وعناية، ومتابعة، وكأنها أم ثانية، فلم تكن طرفاً ذات يوم في الخلافات بين الأطفال، فقد كانت في حالة نضج مبكر، ساعدها ذلك على الاهتمام بأشقائها، والنأي بنفسها عن ظاهرة مشاكسات الأطفال المعتادة.
* * *
أمس ودعنا حبيبتنا الغالية، وسوف نفقد بغيابها، جلساتنا الممتعة، لكننا لن نفقد شمائلها وإرثها التربوي، وسماتها في التواضع التي لا تتكرر، وسوف نحتفظ بكل ما تعلمّناه منها من قيم، ومحبة، وإيثار على النفس، وأعمال إنسانية، واحترام للصغير والكبير في أسرتها وعارفيها، وما جادت به في حياتها من مواقف تميزت بالشهامة، والكرم، والسؤال الذي لا يتوقف للاطمئنان على أن الجميع بخير.
* * *
نفقد زينب الشقيقة والصديقة والحبيبة التي رافقت حياة كل منا بالحب والتقدير، وأغدقت علينا من عواطفها، واهتمامها، ومشاعرها، ما لا يمكن أن تكون لدينا المقدرة على إعطائه حقه من الوصف، فهي -لهذا- لا يكفيها أن نبكي لوفاتها، ولا أن نقول كلاماً جميلاً عنها، ولا أن نتذكر محاسنها الكثيرة، فما نملكه أن ندعو لها، أن نترحم عليها، أن نسأل الله لها العفو والرحمة والمغفرة، وأن يجعل مسكنها في جنات النعيم، و{إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.

