: آخر تحديث

جذور مشرقة

4
7
3

ناهد الأغا

في قلب الجزيرة العربية، حيث تهمس الرمال بأسرار الزمن وتتحدث الصخور بلغة الخلود، تنهض الهوية الثقافية السعودية حكايةً تتجدد في كل فجر، كياناً حياً يتنفس بعبق التاريخ ويستشرف آفاق المستقبل، مستمداً جذوره من ينبوع التوحيد، من مكة المكرمة مهبط الوحي، ومن المدينة المنورة مشعل الهدى، حيث تستنشق الأرواح نسائم السكينة والمحبة، هوية تتجاوز الجغرافيا إلى عمق الوجدان.

وفي صلب هذه الهوية، تتربع رعاية الحرمين الشريفين قمة الواجب الديني والوطني، رسالة مقدّسة تتدفق من أعماق العقيدة، وتتجسد في كل خدمة تُقدّم لقاصدي بيت الله الحرام ومسجد نبيه الكريم، هذه الرعاية التي تضرب بجذورها في تاريخ هذه الدولة، منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز -طيّب الله ثراه- وحتى اليوم، صارت عنواناً للتفاني، وشاهداً على أن قيادة هذه البلاد جعلت من خدمة الحرمين الشريفين نهجاً لا يحيد، ومسؤولية لا تكلّ، ليبقى الحرمان شامخين، يستقبلان الملايين من المسلمين من كل فجّ عميق.

تتشكّل هذه الهوية من نسيج ثقافي متفرّد، تقوم أركانه على العمق الديني الذي يضبط إيقاع الحياة وينسج خيوطها، واللسان العربي الذي يختزن في فصاحته المهيبة ولهجاته المحلية الدافئة ذاكرة الأجداد وحكمة السنين، والامتداد الجغرافي الذي صنع تنوّعاً ثرّاً يتجلى في كل رقعة من هذا الوطن كأنها لوحة فنية متقنة الإخراج.

ففي الدرعية، مهد الدولة وقلبها النابض، ينتصب حي الطريف شامخاً ليستعيد أمجاد البطولات الأولى، وفجر وطن خطّه الأجداد بسيوفهم وعزيمتهم، لتتوارث الأجيال ذلك الإرث البطولي، وفي العلا، بين أحضان الجبال الشماء، تقف الصخور شواهدَ على مجد لم يغِب، وتروي الريح حكايات أقوام نقشوا على الأرض سر البقاء، ليكونوا بذلك رسالةً في الصمود والإبداع الإنساني، أما جدة التاريخية، عروس البحر وملتقى الحضارات، فتهمس رواشينها الخشبية بقصص التجار والحجاج الذين عبروا محيطات الزمن، بينما تخضر الروح في واحة الأحساء حيث تروي العيون الكبريتية حكاية أرض تدفقت بالحياة.

يتسع المشهد الثقافي بجماله وتنوعه عبر التضاريس، ففي عسير، تتعانق الجبال مع الغيوم، وتتناثر قرى الطوب والحجر على القمم كالقلائد، صانعة من المطر موسماً للفرح، وفي نجد، تفوح رائحة القهوة من كل مجلس، وتشرق الرياض من وسط الصحراء لتتجاور فيها قصور الطين وناطحات الزجاج في قصة أمة تصنع مستقبلها بجذورها وهمتها.. ليمتد العطاء إلى تبوك بوابة الشمال، حيث يلامس البحر شواطئها، وتروي قلعتها ومحطة سكة الحديد قصة طريق ربط الشام بالحجاز، بينما تزهر الصحراء في الحدود الشمالية لتعلن أن الجمال كامن تحت الرمال، وفي الجوف، تقف دومة الجندل شامخة ببحيرتها وقلعتها، في حين تنتصب قلعة أعيرف في حائل، وتكتمل اللوحة في القصيم حيث المزارع الخضراء وحبة التمر التي تحولت إلى أيقونة ثقافية تُهدى للعالم، وفي الباحة حيث تنساب الشلالات وتتناثر القرى التراثية كالدرر على سفوح الجبال، وصولاً إلى نجران التي يروي قصر إمارتها التاريخي وسوق الجنابي عراقة ماضيها، وجازان التي تزرع المدرجات على قمم جبالها وتمتزج فيها زرقة البحر بخضرة السهل.

مع بزوغ فجر رؤية المملكة 2030، انفتحت الثقافة السعودية على العالم انفتاحاً واعياً ومتوازناً، لتشهد على تحول ثقافي شامل يقدم روح الوطن بوجه يشرق بالمحبة والترحيب، لقد قدمت المملكة للعالم مائدتها العامرة حيث القهوة العربية تحكي قصة الكرم، والتمر والمأكولات الوطنية تبوح بأسرار الأرض، كما قدمت أزياءها الأصيلة من العباءة والثوب والعقال لتعلن أن الهوية وقار وتاج على الرأس، وفي فضاء الإبداع، انطلقت الفنون السعودية بموسيقى تمزج مقامات الصحراء بإيقاعات العصر، وسينما ناشئة تخطو بثقة لتروي الحكاية بأعين أبنائها، وفنون تشكيلية تتخذ من الحرف العربي لوحة ومن النخلة قصيدة.

لقد خرجت الثقافة السعودية إلى العالم حاملة سلامها وباذلة محبتها، واثقة من أن ما تقدمه إضافة ثرية للإنسانية، وجسر من النور تعبر عليه القلوب لتلتقي وتتعارف وتتآلف، مؤكدةً أن الهوية الحية هي التي تجمع بين أصالة الماضي وطموح المستقبل، وبين التمسك بالجذور والانفتاح على العالم، لتبقى المملكة منارة ثقافية تضيء دروب الحضارة الإنسانية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد