: آخر تحديث

متى يكون أبغض الحلال هو الحل ؟!

3
6
3

تغريد إبراهيم الطاسان

نخاف من كلمة «الطلاق» كثيرًا، حتى إننا أحيانًا نخاف منها أكثر من خوفنا من الحياة التي سبقته. نرى زوجين يعيشان سنوات من الخصام والجفاء والإهانة، وربما العنف، ونقول لهما: اصبرا من أجل الأبناء. لأن وجود الأب والأم تحت سقف واحد، مهما حدث تحته، هو الضمانة الوحيدة لاستقرار الطفل.

لكن السؤال المنطقي.. هل نجح كل بيت اختار استمرار الزواج رغم شدة الخلاف حقق الاستقرار..؟

بالتأكيد لا.

الطلاق ليس خيارًا سهلًا، ولا ينبغي أن يكون أول الحلول عند كل خلاف. لأن الزواج رباط له قدسيته لذلك هو يستحق المحاولة والصبر والحوار والتنازل والاستعانة بالمختصين. لكن هناك فرقًا بين الصبر على أزمة عابرة، وبين البقاء سنوات داخل علاقة أصبحت مصدرًا دائمًا للأذى

لأن المودة حين تختفي ،والأمان عندما يغيب، والاحترام حين يُفقد، وتصبح الإهانة أسلوب حياة، ويتحول البيت إلى ساحة صراع، وتفشل محاولات الإصلاح الجادة.. هنا لا يعني استمرار الزواج أننا حافظنا على الأسرة، بل ربما حافظنا على شكلها فقط.. في الوقت الذي ينخر سوس الخلافات عصب الحياة فيه..

وهنا يأتي السؤال الأكثر حساسية: ماذا عن الأبناء؟

نقول كثيرًا: «اصبروا من أجل الأبناء»، لكن الأبناء لا يحتاجون فقط إلى أب وأم تحت سقف واحد، بل يحتاجون قبل ذلك إلى الأمان. فالطفل الذي يعيش وسط الخصام المستمر، ويراقب ملامح والديه ليتوقع المعركة القادمة، وينام على أصوات الغضب، قد يتأذى من استمرار العلاقة المضطربة بقدر ما قد يتأذى من الانفصال، وربما أكثر.

لذلك لا ينبغي أن نسأل فقط: كيف سيتأثر الطفل بالطلاق؟ بل أيضًا: كيف يتأثر وهو يعيش سنوات داخل زواج مضطرب؟

والمشكلة الأكبر ليست دائمًا في الطلاق نفسه، بل في الطريقة التي يتعامل بها الوالدان معه وبعده. عندما يصبح الطفل رسولًا بينهما، أو يسمع: «أبوك تركنا» و«أمك هدمت البيت»، أو يشعر بأنه يخون أحد والديه عندما يحب الآخر؛ فإننا نضع على كتفيه صراعًا لا علاقة له به.

الطفل ليس قاضيًا بين والديه، ولا رسولًا، ولا شاهدًا، ولا مستشارًا نفسيًا لأحدهما. هو طفل، ومن حقه أن يبقى طفلًا.

كذلك لا يحتاج الأبناء إلى معرفة تفاصيل الخيانة أو الأسرار الزوجية أو الخلافات الخاصة. فليس كل ما تعرفه الزوجة عن زوجها من حق طفلها أن يعرفه عن أبيه، وليس كل ما يعرفه الزوج عن زوجته من حق طفله أن يعرفه عن أمه.

قد تنتهي الزوجية، لكن الأبوة والأمومة لا تنتهيان.

وهنا يظهر النضج الحقيقي.. فقد لا تستطيع أن تحب شريكك السابق أو تسامحه، لكنك تستطيع ألا تستخدم طفلك للانتقام منه. تستطيع أن تقول لابنك: «استمتع مع أبيك»، أو «احترم أمك وكن قريبًا منها». بهذه الكلمات تمنحه حقًا نفسيًا مهمًا: أن يحب والديه دون شعور بالذنب.

وقد يفشل شخصان في الاستمرار كزوجين، لكنهما يستطيعان النجاح كأب وأم.

لسنا بحاجة إلى مجتمع يسهّل الطلاق عند أول خلاف، ولا إلى مجتمع يجعل منه وصمة تدفع الناس إلى البقاء في علاقات مؤذية. نحتاج إلى وعي يعرف متى يستحق الزواج أن نقاتل من أجله، ومتى يصبح الانفصال أكثر حكمة ومسؤولية.

وإذا وصل الأب والأم إلى نهاية الطريق، وبات إنقاذ الزواج مستحيلًا، فلتكن الأولوية لإنقاذ طفولة أبنائهما.

فالطفل لم يختر زواجهما، ولم يختر طلاقهما، ومن الظلم أن نطلب منه أن يدفع ثمن الاثنين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد