وهنا.. لا بد من الانتباه وإدراك بعض الفروق الجوهرية بين كل الحالات التي نُظر فيها في ملف الجنسية، انطلاقاً من مبدأ تطبيق القانون، بشكل لا يكون مفصولاً عن تطبيق روح القانون.
أعرف وأؤكد وأعيد وأكرر.. أن ملف الجنسية كان يئن ألماً ووجعاً منذ سنوات طويلة، ولم يفتحه إلا الأقوياء.
ولأنك قوي، فهناك أمل أن تكون معايير سحب الجنسية واضحة، وفق آليات معلنة، حينها سيكون الإنجاز واضحاً وموثقاً.
هنا.. سيكون القرار مبنياً على مصلحة الدولة أولاً وأخيراً، ولمصلحة من يكون الفارق كبيراً جداً جداً بينه كمواطن محب وأمين مع وطنه، وبين المزور والكذاب والخائن والمستغل.
وهنا أتمنى ألا تُفهم المراجعة المرجوة من الحكومة كتناقض أو تهديد للهيبة، بل كقوة مؤسسية قادرة على التمييز بين الثابت والمتغير، وتصحيح أي خطأ غير مقصود.
أن يبقى القرار قابلاً للمراجعة إثر تغير بعض المعطيات، ومراجعة بعض الزوايا التي لم يتم التركيز عليها أو الانتباه لها حين تم سحب الجنسية في إطار زحمة الملفات وتراكمها، لهو بحق القوة الحقيقية.
أكتب وأكرر حساسية ملف الجنسية في الكويت، والتأكيد أن للدولة حقها الكامل في حماية هويتها وسيادتها.
ولكن ذلك لا يعفيني أنا شخصياً، من باب المصارحة، من القول إن هناك حالات تستوجب التصحيح وفق ما تراه الدولة والقانون.
هذا الاقتراح مني هو اقتراح وطني مئة بالمئة، دون اعتراض أبداً على مبدأ التنظيم والمحاسبة، والمعاقبة أيضاً لمن باع الوطن وزوّر واستغل وارتكب جريمة بحقه، قبل سنوات.
وهنا أستسمح الجهة المسؤولة عذراً.. وأعطي لنفسي، كمواطنة محبة وعاشقة لوطنها، أن أدعو الأقوياء من أصحاب القرار إلى وضع مساحة استثنائية مدروسة بشكل جيد، لإعادة النظر في حالات نادرة، لا تُقاس بالكم، بل بالقيمة، القيمة الوطنية بالدرجة الأولى.
هناك أشخاص ارتبطت مسيرتهم بالكويت منذ بداياتهم. ولدوا وتعلموا فيها، وتكوّنوا علمياً ومهنياً داخل مؤسساتها، ثم خرجوا إلى العالم يحملون أثراً واضحاً من هذا التكوين.
هناك أشخاص لم يكونوا مجرد أسماء عابرة، بل تحوّل بعضهم إلى نماذج وطنية وعلمية أو مهنية أو إبداعية يُشار إليها دولياً باسم الكويت، فهل من مصلحة الكويت أن تفقد ارتباطها الرمزي والمعنوي بهذه النماذج المشرفة، التي حملت اسم الكويت في كل إنجاز قامت به؟
من المحزن أن تصل شخصيات علمية أو طبية أو أكاديمية أو وطنية، نشأت في الكويت، صرفت عليها الدولة وتشكّل وعيها وتميزها العلمي داخلها.. في مدارسها وجامعاتها وبعثاتها العلمية وتخصصاتها، حتى وصلت إلى منصات عالمية مرموقة، لتُسجل اليوم باسم دولة أخرى، انتمت لها قبل أشهر فقط، حين سُحبت منها الجنسية الكويتية، بينما أثر الكويت في تكوينها واضح وموثق.
من الرابح هنا؟ الدولة التي احتضنت هذا التميز منذ بدايته، أم الدولة التي ستظهر لاحقاً في لحظة التكريم؟
وما أكثر الدول التي تنتظر بشغف مثل هذه الأسماء، لتتصل بها فوراً وتُعرب لها عن استعدادها وسعادتها بمنح جنسيتها لها فوراً.
دول العالم اليوم تتسابق في استقطاب العقول، وتمنحها ما يلزم لتبقى مرتبطة بها، لأنها تدرك أن القيمة الحقيقية ليست في الأرض وحدها، بل في من يرفع اسمها خارج حدودها.
فكيف إذا كان هذا الإنسان قد تشكّلت كل أو جزء من مسيرته الناجحة المتميزة داخل الكويت نفسها، بعد أن صرفت عليه مادياً ومعنوياً طوال سنوات حياته؟
أنا لا أطالب بإعادة فتح الملف بشكل عام، ولا بإلغاء قرارات، ولا بتغيير المسار المتخذ.
بل أطرح فكرة أكثر دقة وانضباطاً:
لماذا لا تُشكّل لجنة استثنائية تضم أسماء محترمة من رجالات الكويت، محدودة الصلاحيات، دورها فقط إعادة دراسة بعض الملفات، وفق معايير صارمة وشفافة، يكون معيارها الأساسي هو القيمة الوطنية الاستثنائية المرتبطة بالكويت؟
أتوقع جداً بروز اعتراضات على ما كتبته أعلاه، ليُطرح هذا السؤال: أين المساواة هنا؟
إجابتي واضحة ومباشرة، أنا لا أتحدث هنا عن قرارات انتقائية، بل أشير إلى معايير واضحة ومعلنة، واضحة وضوح الشمس، يكون القرار فيها مبنياً على مصلحة الدولة فقط لا غير.
وكما كتبت في مقال سابق، أكرر أن الدولة القوية لا تخشى أن تراجع نفسها عندما يكون ذلك في مصلحتها.. وحماية لصورتها وتوازنها أمام العالم.
ولأن الكويت كانت قوية في قراراتها الأخيرة، فهي ستكون «أقوى» حين تُظهر أنها قادرة أيضاً على مراجعة ما يستحق المراجعة دون أن تفقد توازنها وتميزها.
إقبال الأحمد

