: آخر تحديث

تهديدات وزير الخزانة... نفسية أم حقيقية؟

3
4
4

مع أنَّ الرئيس الأميركي كرَّر مراراً توعدَه بتدمير إيران، إلا أنَّه عندما تحدَّث به وزيرُه للخزانة سكوت بيسنت تفاعلتِ القيادات الإيرانية بغضبٍ أكبر. المفاوض والجنرال رئيس البرلمان، قاليباف، عبَّر عن غضبه، وأعلن أنَّهم سيعدّون خططاً جديدة لمواجهة هذه التهديدات. قاليباف قال كلاماً في غاية الوضوح والأهمية، ويبدو أنَّه يوجّهُه للمرشد الأعلى والقادة العسكريين المتحمسين للحرب، قال: «بغض النظر عن مقدار قوتنا العسكرية، فإذا كان الناس جائعين، ونعاني من الشّح المالي والنمو الاقتصادي، فلن نتحمل».

بعد العجز عن فرض حلّ عسكري على إيران قد يكون وزير الخزانة أكثر وزراء ترمب وأسلحته نجاحاً. فالوزير بيسنت يمسك بمفاتيح حركة المال، وكلامه ليس مستهلكاً إعلامياً بعد. تبدو تصريحاته قد كُتبت في البيت الأبيض؛ إذ لم يكتفِ بالتهديد بإيقاع العقوبات، بل توعَّد كذلك بإسقاط النظام الإيراني. ترمب توقَّف عن تهديد كيان النظام. والأرجح أنَّ ما قاله وزير الخزانة جزء من حملة ضغط منسقة، وستتطلَّب الخطوات العقابية زمناً طويلاً حتى يظهر تأثيرها، وهذا لا ينفي أهميتها؛ فالضغوط الاقتصادية هي التي دفعت إلى المظاهرات الأولى الواسعة في عام 2009، وتلتها سلسلة احتجاجات، وقادت في الأخير إلى التفاوض مع إدارة أوباما.

أيضاً للعقوبات المشددة تأثيرات لا يستهان بها في الحرب النفسية. مع أنَّه لم يصدر من داخل إيرانَ كثيرٌ من الاعتراضات ضد إصرار القيادة على الحرب، لكن ها هي معظم الاعتراضات والشكوى الداخلية تتحدَّث عن التداعيات المعيشية والاقتصادية على المجتمع الإيراني. كان أولها تحذير الرئيس الحالي بزشكيان من تأثير الحرب على الأحوال المعيشية، وآخرها كان ظهور الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي الذي انتقد سياسةَ التفاوض نفسها، وهاجم التَّصلب فيها، مخاطراً باتهامه في ولائه.

توعَّد وزير الخزانة بأنَّ إدارة ترمب ستفرض على إيران «أعظم عزلة اقتصادية منسقة في التاريخ». ليس واضحاً بعد ماهية هذه الإجراءات، والعمر الافتراضي حتى تحقّق أهدافها، وما هي الدول المشاركة. ومن دون تفاصيل حولها سيُنظر إليها ضمن الحرب النفسية، للتأثير على المفاوض الإيراني للقبول بالشروط الأميركية.

من ناحية أخرى، التهديد الجديد يربك الاستراتيجيين الإيرانيين الذين بنوا مفاوضتهم على محاصرة ترمب في الزاوية قبل الانتخابات، طامعين في المزيد من التنازلات. ومن أجل استباق نوفمبر (تشرين الثاني) شنَّت إيران حملة عسكرية على الدول الخليجية المنتجة، وممرات الملاحة، على أمل رفع سعر البترول، وبالتالي ارتفاع أسعار الطاقة والمعيشة في الولايات المتحدة، لتهديد وضع ترمب الانتخابي.

هذا يجعلنا أمام حربين؛ سلاح إيران النفطي، والآن سلاح العقوبات الاقتصادية الأميركي. السؤال ليس عن فاعلية العقوبات؛ فهي بالتأكيد قادرة على الإضرار بطهران، إنما الذي في الميزان هو الوقت. ما هي جدية إدارة ترمب واستعدادها لتبنيه كاستراتيجية حقيقية لا مجرد تهديدات كلامية؟ وهل هذا يعني أنَّ إدارة ترمب تخلَّت عن خطتها التي تقوم على استباق انتخابات نوفمبر التشريعية بحل سياسي؟

الإيرانيون يعتبرون «النافذة الزمنية» ورقةَ الضغط الرابحة، ويقصفون كلَّ هدف يتحرك على أمل رفع أسعار الوقود أميركياً، وتهديد ترمب بالهزيمة. وعندما أعلن وزير الخزانة عن خطة عزل إيران وتحطيم اقتصادها، فهو ربَّما يوحي بأنَّ الإدارة أصبحت مستعدة لتحدي لعبة الوقت الإيرانية.

بقيت عشرة أسابيعَ على الانتخابات، والقراءات الحالية لا توحي بأنَّ ترمب سيخسر في الانتخابات، وأسعار النفط لا تزال تحت المائة دولار، إنَّما الوقت المتبقي يبدو دهراً، وهو نظرياً يلعب لصالح إيران حتى يوم الانتخابات، لكن بعد ذلك ستنقلب المعادلة ضدها.

حتى يستمر ترمب في السير على هذا الحبل المشدود الطويل كلّ هذا الزمن، يحتاج إلى استمرار جهوده في إخراج كميات كبيرة عبر مضيقَي هرمز وباب المندب، الذي قد يجدّد المواجهات العسكرية العنيفة. فالنَّشاط العسكري الأخير مكَّن من فتح الممر العماني لناقلات النفط، وإصرار السعودية على المخاطرة والتصدير عبر البحر الأحمر يحقق المعادلةَ السياسية المطلوبة. لماذا هي مطلوبة خليجياً؟ السبب واضح؛ ضعف مفاوضي ترمب أمام الإيرانيين لاعتبارات أنَّ سوق البترول قد تقود في الأخير إلى تسليم مضيق هرمز للإيرانيين، ومنح ميليشياتهم رخصة للعمل ضد دول المنطقة. هنا الخاسر من اللعبة الإيرانية هو دول الخليج بالدرجة الأولى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد