في بدايات السبعينيات الميلادية من القرن الماضي، وفي ظل الحاجة إلى إعلام عربي دولي متميز، كان للمملكة العربية السعودية السبق في تحقيق ذلك؛ حيث حلّق في تلك البدايات اللون الأخضر السعودي في سماء لندن، واتُّخذ له مقرٌّ في شارع الصحافة البريطانية (فليت ستريت - Fleet Street)، فبرزت جريدة «الشرق الأوسط» كأول صحيفة عربية دولية، واستفادت آنذاك من الخبرات المهنية والتقنيات وهامش الحرية لتنطلق بقوة، وتحقق حضوراً إقليمياً ودولياً في ظل التنافس الإعلامي الأجنبي والدولي على المنطقة.
لذا، ومنذ بدايات هذا التواجد للإعلام السعودي الخاص في لندن بالنسبة للصحافة، ثم في دبي بالنسبة للبث التلفزيوني العربي الفضائي الخاص، كنا نرى أنه بالرغم من قلة التواجد السعودي -بل ندرته- مقابل الإخوة الوافدين القادمين من خارج حدود دول الخليج العربية، فقد برز من بين هؤلاء القلة من تحملوا مسؤولية التواجد بكل جدارة، وفي مقدمتهم النجمان الساطعان آنذاك وهما: الأستاذ عثمان العمير، والأستاذ عبد الرحمن الراشد، اللذان ساهما بدرجة كبيرة في تحقيق التواجد الإعلامي السعودي الدولي المتميز في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
لن أتحدث هنا عن أسباب الاعتماد شبه الكلي آنذاك على الأخ العربي المهاجر هناك ومن ثم جلبه للمنطقة، رغم مضي ما يقارب الخمسين عاماً على أول قسم إعلام في جامعة سعودية وخليجية. لذا، ورفعاً للمعنويات -وخاصة معنويات الشباب- أستحضر هاتين الشخصيتين الإعلاميتين السعوديتين الكبيـرتين اللتين هما عنوان موضوعي هذا، واللتين نكنّ لهما كامل التقدير بتمكنهما من تحقيق التواجد الإعلامي السعودي منذ بدايات انفتاح المنطقة أمام الإعلام الأجنبي؛ وهما الإعلاميان الكبـيران: عبد الرحمن الراشد، وعثمان العمير، حيث برزا منذ بدايات الصحافة السعودية الدولية، ثم بدايات البث التلفزيوني والإلكتروني الفضائي العابر للحدود، فكان لهما حضور متميز، وخدما الإعلام السعودي الخارجي، واستمرا لفترة طويلة حتى وقت قريب، ثم تواريا عن الأنظار.
ورغم أنهما أصبحا مؤخراً متواجدَين بخجل؛ سواء من خلال مقال للراشد بجريدة «الشرق الأوسط»، أو من خلال إشراف غير مباشر للعمير على جريدة «إيلاف»، إلا أننا نود لو أنهما استمرا في البروز والإشعاع؛ فالإعلامي لا يشيخ ولا يتقاعد، ونتمنى لو بقيا كخبراء مهنيين أو متحدثين ذوي خبرة في الشؤون المهنية الإعلامية وغيرها؛ ليكونوا قدوة لصحفيي المنطقة من الشباب، وليؤهلا كوادر خليجية تأهيلاً أكبر من خلال معهد متخصص في الرياض أو في إحدى مدن المنطقة الشرقية؛ فالكادر الخليجي من الإعلاميين والمتحدثين يعرف المنطقة، وبذلك يخبروننا ويحللون لنا قضايانا وأوضاعنا وأوضاع العالم بعيونهم وأقلامهم السعودية الخليجية، والمثل يقول: «أهل الصالحية أدرى بما فيها».
وهنا أجد أنه من الواجب أن نتحدث عن كليهما تقديراً لهما ولما أمضياه في إعلامنا الوطني السعودي الخاص، ولما منحانا إياه من ثقة في أن منطقتنا ولادة باستمرار للقدرات المحلية من كلا الجنسين. فإن من تابع إعلامنا السعودي الدولي الخاص منذ السبعينيات الميلادية يرى كيف تمكن الأستاذ عثمان العمير والأستاذ عبد الرحمن الراشد من تجاوز الصعاب واختراق العوائق، وتحقيق الحضور والتميز، وذلك منذ تخرجهما في المعهد العلمي التابع لجامعة الإمام بالرياض.
لقد كانت بدايات الأستاذ عبد الرحمن بن حمد بن عبد الله الراشد مع الصحافة مليئة بالتحديات والطموح؛ فمن تغطيته لمباراة السعودية والكويت في بداية السبعينيات الميلادية عندما كان طالباً في المعهد العلمي، إلى مدير مكتب جريدة «الجزيرة» في واشنطن عام 1980م خلال فترة بعثته الدراسية بأمريكا. لكن الخطوة الأخرى الأكبر كانت انتقاله إلى العاصمة البريطانية لندن ليبدأ الرحلة الأولى له هناك مع الإعلام العربي الدولي من خلال مجلة «المجلة» الأسبوعية كنائب لرئيس تحريرها آنذاك (صديقه الأستاذ العمير)، وبقي فيها حتى عام 1998م ما بين نائب رئيس ورئيس تحرير لها؛ وهي المهمة التي وصفها الراشد بأنها كانت التحدي الأول له.
ولأن المجلات الورقية دخلت مرحلة انحسار مع بروز القنوات الفضائية الدولية والإقليمية، سرعان ما انتقل الراشد إلى وسيلة ورقية أقوى وهي رئاسة تحرير جريدة «الشرق الأوسط» في الفترة ما بين عامَي 1998 و2003م، وقد كان خطها التحريري سابقاً لبقية الصحف آنذاك؛ إذ استلهمت التجربة الغربية في معالجتها للأحداث والتحولات بالمنطقة والعالم، وكانت رئاسته لها من ألمع تجاربه المهنية.
بعدها انتقل عام 2004م إلى دبي للعمل في مجموعة MBC مديراً عاماً لقناة «العربية» الإخبارية، التي مضى على انطلاقتها نحو عام، وبقي فيها حتى عام 2014م ثم استقال منها، لكنه بقي عضواً في مجلس إدارة المجموعة بطلب من رئيس المجموعة الشيخ وليد الإبراهيم.
في قناة «العربية» الإخبارية، أنجز الأستاذ الراشد عدداً من الأعمال الكبيرة في الإنتاج والمقابلات المهمة. ولعله المنصب الأكثر ضجة وتفاعلاً في مسيرته؛ حيث رفع فيها شعار «أن تعرف أكثر» أي الحصول على الخبر من كل جوانبه لتحقيق المعرفة؛ كما ساهم بدرجة كبيرة في إنشاء قناة «الحدث» (التابعة للمجموعة) لتكون هي الأخرى منبراً قوياً للأخبار. ولم يمنعه وجوده في قناة تلفزيونية إخبارية بحجم «العربية» من مواصلة الكتابة في جريدة «الشرق الأوسط».
لقد أمضى الراشد ما يقارب الأربعين عاماً متنقلاً ما بين صفحات الجرائد وغرف الأخبار وشاشات التلفزيون، يرتقي صعوداً لكل سُلّم يُنصب أمامه بلا كلل؛ فكانت تجريته ومسيرته الفريدة جديرة بأن تُروى وتُجسد في مذكرات. وقد أجري للراشد خلال مشواره الإعلامي الكبير عدة لقاءات وحوارات مع عدد من زعماء العالم على مستوى المنطقة وكبرى الدول الغربية وخاصة أمريكا، مثل مقابلته مع الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش (الابن).
وتقديراً لمسيرته، حصل الراشد على لقب الإعلامي العربي الأكثر تأثيراً ونفوذاً في المنطقة العربية والعالم بحسب تصنيف مجلة «أرابيان بيزنس» لعام 2006م، وجاء تاسعاً ضمن قائمة أقوى 100 شخصية عربية نافذة في التصنيف العام لكل الفئات المهنية بالمجلة ذاتها، وحافظ على اسمه في القائمة نفسها في عامي 2007 و2008م. وفي عام 2013م، فاز بوسام التميز لأكثر الشخصيات تأثيراً في العالم من المجلس الدولي لحقوق الإنسان والتحكيم والدراسات السياسية والإستراتيجية. كما حصل على تكريم من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وجائزة شخصية العام الإعلامية التي وُزعت في «منتدى الإعلام العربي» الـ 15 في دبي.
ويقول عنه صديقه وزميله والأكبر منه سناً الأستاذ عثمان العمير: «إن عبد الرحمن الراشد رفيق عمر، وإن كنت أنا أكبر منه سناً، فكان لي الشرف أن ترافقنا بصحيفة الجزيرة. انتقلتُ إلى لندن، وانتقل هو إلى واشنطن وأصبح مسؤولاً للجريدة هناك، وبقيت أنا في لندن. أنا والراشد نختلف في شخصيتينا، لكننا نتفق في الصداقة والاحترام والمحبة بيننا. الراشد يشكل نسيجاً وحده».
أمّا الأستاذ عثمان العمير -والذي هو الأسبق سناً ومهنياً من الراشد- فهو أيضاً من كبار إعلاميي تلك المرحلة (مرحلة الإعلام السعودي الخارجي)، لكنه لم يخرج من نطاق الصحافة المكتوبة التي أصبحت إلكترونية فيما بعد. وكانت بدايات مشواره الإعلامي مراسلاً رياضياً في عدد من الصحف السعودية مثل جريدة «المدينة» وجريدة «الرياض» ومجلة «اليمامة»، وعمل في جريدة «الجزيرة» في السبعينيات من القرن الماضي؛ حيث تولى رئاسة القسم الرياضي ثم سكرتارية التحرير وهو في سن الشباب المبكر، ومن ثم سافر إلى لندن ليتعلم اللغة الإنجليزية، فعمل من هناك مراسلاً لجريدة «الجزيرة» حتى عام 1983م. وبذلك يتضح أن العمير وصديقه الراشد بدآ العمل الصحفي من بوابة الرياضة، رغم فارق العمر البسيط بينهما.
وفي عام 1984م انتقل الأستاذ العمير إلى الشركة السعودية للأبحاث والتسويق؛ فتولى منصب رئيس تحرير مجلة «المجلة» في لندن، ثم في عام 1987م أصبح رئيس تحرير جريدة «الشرق الأوسط» في بريطانيا أيضاً وبقي فيها لمدة عشر سنوات، تمكن خلالها من كسب ثقة الجميع وحاور كبار قادة العالم؛ من بينهم الملك فهد بن عبد العزيز، والملك الحسن الثاني، وحسني مبارك (رحمهم الله)، كما قابل ميخائيل غورباتشوف، وجاك شيراك، وغيرهم. فبدأ العمير يبرز في فضاء الإعلام العربي، وتلألأ اسمه كعلامة فارقة في مسيرة الكلمة المكتوبة.
الأستاذ عثمان العمير هو صاحب وناشر ورئيس تحرير صحيفة «إيلاف» الإلكترونية التي أسسها في بريطانيا في 21 مايو عام 2001م، فأصبحت من أولى وأشهر المواقع الإخبارية الإلكترونية العربية على الإنترنت. كما أصبح مالك المجموعة الإعلامية المغربية «ماروك سوار» (أكبر مجموعة صحفية في المغرب) والتي تصدر عنها صحيفتان يوميتان بالإضافة إلى الصحيفة الإلكترونية «موروكو تايمز»، وأخيراً صحيفة يومية مغربية تسمى «الصباحية».
ولما للعمير من إنجازات في مجال الإعلام الدولي العربي، فقد اختاره نادي دبي للصحافة «الشخصية العالمية لعام 2006م» لدوره البارز والمؤثر عبر عقود في مسيرة الإعلام السعودي والعربي، وكصاحب مشروع عربي متميز في الصحافة الإلكترونية تمثل بموقع «إيلاف» وكان له السبق في ذلك.
في «الشرق الأوسط»، صاغ الأستاذ العمير ملامح الخبر بروح عالمية، وبـ «إيلاف» دَشّن فجر الإعلام الرقمي العربي؛ فمضى بخطى الواثق من رؤيته، فالصحافة عنده فنُّ الإصغاء للعصر. وظل عثمان العمير وفياً لرسالته؛ حيث آمن أن الحرف موقف، وأن الكلمة لا تُكتب لتُقال فقط، بل لتبقى أيضاً.
باختصار، إن الأستاذ العمير حقق التواجد والبروز منذ بداياته مع جريدة «الجزيرة» في العاصمة الرياض، وكان محل ثقة، وبذلك كان يعتمد عليه رئيس تحرير الجزيرة الأستاذ خالد المالك في المساهمة بتحقيق النقلة الضخمة للجريدة وتحويلها من أسبوعية إلى يومية. بدأ العمير محرراً فنياً، ثم رياضياً، فمحرراً لصفحة المنوعات، ثم الصفحة الأولى والأخيرة، حتى اعتبره البعض «فريقاً في رجل».
والدليل أن رئيس تحرير «الجزيرة» كلفه في منتصف السبعينيات الميلادية بمهمة إنشاء مكتب الجريدة في لندن، مما قاد إلى تحول كبير في حياة العمير بأن أصبح صحفياً دولياً. ومنذ ذلك الوقت، سال حبر قلمه ليسكب على الخبر والتحقيق واللقاء والعناوين المثيرة خطاً جديداً يغاير أسلوب الصحافة السعودية. وقد استطاع العمير أن يرافق الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا في طائرتها الملكية الخاصة في زيارتها الرسمية إلى الرياض عام 1979م، وحصل منها على حديث خاص لجريدة «الجزيرة»، وهو على ما يبدو أول حديث صحفي حصري خاص للملكة للصحافة السعودية. ولا بد أن نذكر بأن العمير حصل على جائزة الإبداع الإعلامي عام 2007م من يد الإنسان المبدع ورائد الفكر والثقافة الأمير خالد الفيصل.
في هذه المقالة، لا يمكن أن نتطرق بالتفاصيل لمسيرة النجمين الأبرز في الإعلام السعودي الخارجي (الأستاذ العمير والأستاذ الراشد)، لكن نختم فنقول إنهما -دون أدنى شك- خلّدا اسميهما في تاريخ الإعلام الوطني الخارجي، وغيابهما أو تواريهما (ربما لكبر سنهما) فيه شيء من الحيرة، وخاصة إذا لم يتم إبرازهما أمام الجيل الحالي والأجيال القادمة من الإعلاميين السعوديين، للتأكيد على أن هذين الصحفيين المهنيين أثبتا بجدارة قدرة الصحفي السعودي منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين على تحقيق التواجد والإنتاج والبروز.
وهنا ليسمحا لي أن أتجاوز سنيهما، وأن أقول: من الواجب عليكما -أيها العملاقان السعوديان- أن تكتبا سيرتكما وما قدمتموه للإعلام السعودي والخليجي، فأنتما وحدكما تستطيعان سرد مشواركما بدقة وكما يجب. لذا، نحيل لمقامهما المهني الكبير العبارة الشهيرة مع تحوير في مضمونها: «الميدان يا نجمان»، ولو مؤقتاً لتفرِحانا وتفرِحا الجيل الحالي من الصحفيين. وعلى مؤرخي إعلامنا الوطني أن يخصصوا مكاناً بارزاً في مؤلفاتهم لهذين الصحفيين للتوضيح أن إعلامنا الوطني متواجد دولياً وإقليمياً بأيدٍ سعودية منذ منتصف السبعينيات، وليس فقط مع بروز الفضائيات.

