في لقاءٍ صباحي أنيق جمعني بالصديق الجميل عبدالعزيز النصافي، جاء الحديث عابرًا في بدايته، ثم ما لبث أن استوقفنا طويلًا؛ عند يوم الإثنين الرابع والعشرين من أغسطس، حيث تخرج صحيفة «الرياض» إلى قرائها في نسختها الورقية الأخيرة، لم يكن الحديث عن توقف ورقٍ عن الدوران في المطابع بقدر ما كان عن ذاكرة كاملة تستعد لأن تطوي صفحتها الأخيرة، وعن صباحٍ سيأتي بعده فلا يجد بعضنا تلك العادة القديمة التي طالما ظننا أنها ستبقى ما بقيت الصباحات، صحيح أن جلّ قراء الصحف القدامى والمحدثين منهم كانوا قد هجروا النسخ الورقية منذ عقد من الزمان على الأقل.. لكن الأمر مثير بالفعل على مستوى الحدث وتوثيقه.. اتفقنا إذن أن هذا العدد تحديدًا لا ينبغي أن يُعامل بوصفه عددًا اعتياديًا، وقد بدا لي بالفعل أن الصديق عبد العزيز يجيد قراءة المستقبل عبر نبوءة نوعية في هذا الشأن التوثيقي إذ فتح برؤيته الثاقبة هذا الحدث على شكل رؤيا مستقبلية، لذلك اجتمعنا على فكرة وجوب أن يُطبع من هذا العدد أكبر كمية ممكنة، وأن يُسوَّق له باعتباره وثيقة زمن، لا صحيفة يوم، ذلك أن الأشياء لا نعرف قيمتها كاملة وهي بين أيدينا، نحن الذين نكتشف غالبًا مقدار ما أحببناه بعد أن يغادرنا، وحين يصبح الورق بعد سنوات أثرًا من زمن مضى، سيبحث كثيرون عن هذا العدد الذي أغلق الباب خلف أكثر من ستة عقود من الحبر والصباحات والأخبار والقصائد والمقالات والصور.. ولكم أن تتخيلوا هذا العدد بعد عشرين عامًا في مكتبة بيت، وقد اصفرّت أطرافه قليلًا، يخرجه أب لأبنائه قائلاً» هنا انتهت النسخة الورقية من «الرياض»» ستكون رائحة الورق يومها أكثر من رائحة.. ستكون زمنًا محفوظًا بين الصفحات، وستغدو عناوين ذلك الإثنين، مهما بدت عادية ساعة صدورها، شواهد على آخر صباح كانت فيه الصحيفة تُمسك باليد، وتُطوى، وتُترك فوق طاولة، وربما بقيت دائرة فنجان قهوة على زاوية من صفحتها الأخيرة.!
كم من صباحاتنا مرّت عبر «الرياض» دون أن ننتبه إلى أن الصحيفة كانت جزءًا من أثاث الروح! تدخل البيوت قبل اكتمال ضوء النهار، وتنتظر عند الأبواب، وترافق الموظفين إلى مكاتبهم، وتستريح في صالات الانتظار والمقاهي والمطارات، فقد كان الورق وسيطًا حميمًا بيننا وبين العالم، نختلف مع كاتب فنطوي الصفحة غاضبين، ونفرح بصورة فنقصّها، ونحتفظ بمقالة في درج مكتب سنوات طويلة، لم تكن القراءة وحدها هي التي تحدث، كانت ثمة طقوس كاملة تحيط بها، لهذا فإن العدد الأخير ليس إعلان وفاة للصحافة، ولا نهاية لـ «الرياض» العريقة، فـ»الرياض» ستواصل حياتها في فضائها الرقمي الرحب، لكنه وداع لشكلٍ من أشكال علاقتنا بها؛ للحبر الذي كان يعلق بأصابعنا قليلًا، ولصوت الصفحة حين نقلبها، ولتلك المسافة الصغيرة بين العين والورق التي عبرت خلالها أخبار الوطن وتحولاته وأحلام ناسه.
اطبعوا من هذا العدد كثيرًا، وضعوه في المكتبات والمدارس والجامعات والمقاهي، وافتحوا له منافذ اقتناء تليق بمعناه، كما لو أنه الأول والأخير، فسيأتي يوم يصبح فيه البحث عنه بحثًا عن قطعة من الذاكرة السعودية، وربما يتمنى كثيرون لو أنهم اشتروا يومها نسختين واحدة ليحتفظوا بها، وأخرى ليورثوها، فبعض الصحف نقرأها ثم نرميها، وبعض الأعداد لا تنتهي بانتهاء يومها، وهذا العدد تحديدًا سيبدأ عمره الحقيقي في اليوم التالي لصدوره.

