: آخر تحديث

حين يستهلك البقاءُ طاقةَ التفكير

4
3
3

عبد الله سليمان الطليان

يعيش الإنسان على سطح الأرض في بيئات شديدة الاختلاف؛ فهناك مجتمعات تتوافر فيها المياه النظيفة، والغذاء، والسكن، والتعليم، والرعاية الصحية، والأمن، بينما توجد مجتمعات أخرى لا يزال الإنسان فيها منشغلاً بتأمين حاجاته الأساسية: طعامٍ يكفي أسرته، وماءٍ صالحٍ للشرب، ومسكنٍ يحميه، وعلاجٍ لمرضٍ قد يكون بسيطاً في مكان آخر، وفرصةِ عملٍ تضمن له دخلاً محدوداً.

ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز الاقتصاد والديموغرافيا: إلى أي حد تؤثر الظروف التي يعيش فيها الإنسان في الطريقة التي يستخدم بها عقله؟ وهل يستطيع الإنسان أن يمنح التفكير والتخطيط والإبداع المساحة نفسها، عندما يكون جزء كبير من يومه مكرساً لمواجهة ضرورات الحياة؟

عالم غير متساوٍ في ضرورات الحياة

تقدم الأرقام صورة واضحة عن اتساع الفوارق. فهناك مئات الملايين من البشر الذين يعيشون في ظروف من الفقر المدقع، بينما يعاني مئات الملايين من انعدام الأمن الغذائي، ولا يزال الحصول على المياه النظيفة والصرف الصحي مشكلة في أجزاء واسعة من العالم.

ولا تنتهي المشكلة عند حدود الدخل؛ فالفقر قد يترافق مع نقص الغذاء، وضعف الرعاية الصحية، وسوء السكن، وانعدام الأمن، ومحدودية فرص التعليم والعمل.

وهذه الظروف لا تصف الفقر بوصفه نقصاً في المال فقط، وإنما تكشف عن بيئة كاملة من الندرة والقلق وعدم اليقين.

عندما تصبح الضرورة هي الموضوع الدائم للعقل

تخيل إنساناً يستيقظ صباحاً ولا يعرف كيف سيدفع إيجار المنزل، أو كيف سيؤمّن الطعام لأسرته، أو كيف سيدفع تكلفة علاج أحد أبنائه.

إنه لا يحمل هذه الأسئلة في دفتر منفصل عن حياته؛ بل يحملها معه أثناء العمل، وأثناء قيادة السيارة، وأثناء الحديث مع الآخرين، وربما حتى قبل النوم.

وهنا تكمن أهمية ما توصل إليه الباحثون في علم الاقتصاد السلوكي وعلم النفس.ففي دراسة منشورة في مجلة Science عام 2013، بحث أناندي ماني وسنديل موليناثان وإلدَر شافير وجيايينغ تشاو العلاقة بين الفقر والأداء المعرفي. وأظهرت الدراسة، في إحدى تجاربها، أن التفكير في مشكلة مالية ضاغطة يمكن أن يخفض الأداء في بعض الاختبارات المعرفية لدى المشاركين ذوي الموارد المحدودة. كما وجدت الدراسة، لدى مجموعة من المزارعين، أن الأداء المعرفي كان أقل قبل موسم الحصاد، عندما تكون الموارد المالية أكثر ندرة، منه بعد الحصاد.

وفسر الباحثون ذلك بأن الانشغال بالمشكلات المرتبطة بالفقر قد يستهلك موارد ذهنية كان يمكن استخدامها في مهام أخرى.

والمعنى هنا مهم للغاية: المشكلة ليست في أن الإنسان الفقير يمتلك عقلاً أقل قدرة، وإنما في أن جزءاً من قدرته الذهنية قد يكون مشغولاً بصورة مستمرة بمشكلة ملحّة.

الندرة تخطف الانتباه

في أبحاث أخرى، درس أنوج شاه وموليناثان وشافير تأثير الندرة في الانتباه. وخلص الباحثون إلى أن الشعور بالنقص يجعل الإنسان يركز بصورة مكثفة على المشكلة التي يعاني منها، لكنه قد يجعله، في الوقت نفسه، أقل انتباهاً لبعض المشكلات الأخرى.

وهذه الفكرة يمكن أن تفسر جانباً من المفارقة التي نراها في الحياة اليومية.

فالإنسان الذي يواجه نقصاً شديداً في المال قد يصبح شديد التركيز على احتياجات اليوم، لكنه قد يجد صعوبة أكبر في التفكير في خطة مالية تمتد لسنوات.

والذي يبحث عن عمل منذ أشهر قد يصبح تركيزه منصباً على الحصول على دخل عاجل، بينما تتراجع لديه المساحة المتاحة للتفكير في تطوير مهاراته أو بناء مسار مهني طويل.

والذي يعيش في بيئة تفتقر إلى الخدمات الأساسية قد يستهلك وقتاً وطاقة في حل مشكلات كان من المفترض أن تكون محسومة اجتماعياً.

وهكذا تتحول الندرة من مشكلة خارجية إلى عبء داخلي أيضاً.

ليس الفقر وحده

ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال المسألة في الفقر وحده.

فالندرة يمكن أن تكون في المال، ولكنها قد تكون أيضاً في الوقت، أو الأمن، أو الصحة، أو المياه، أو السكن، أو التعليم، أو الاستقرار الأسري.

وقد يعيش شخص ذو دخل جيد تحت ضغط زمني دائم، فيعاني شكلاً آخر من أشكال الاستنزاف الذهني. وقد يعيش شخص آخر في مجتمع فقير، لكنه يتمتع بعائلة مستقرة، وشبكة اجتماعية قوية، وتعليم جيد، فتكون قدرته على مواجهة الظروف مختلفة.

ولهذا فالمسألة ليست معادلة بسيطة تقول:

الفقر = ضعف التفكير.

بل الأقرب إلى الواقع:

الندرة المستمرة + القلق + عدم اليقين + كثرة القرارات الضرورية = حمل ذهني أكبر.

وهذا الحمل قد يؤثر في الانتباه، والتخطيط، وضبط السلوك، واتخاذ القرار.

من الإنسان الذي يفكر في الغد إلى الإنسان الذي يحاول عبور اليوم

ربما تكون هذه النقطة هي الأكثر أهمية في القضية كلها.

هناك فرق بين إنسان يواجه مشكلة مؤقتة، وإنسان يعيش في حالة دائمة من عدم اليقين.

الأول يستطيع أن يقول: سأحل المشكلة، ثم أعود إلى حياتي.

أما الثاني فقد لا يجد لحظة يعود فيها إلى حياته الطبيعية؛ لأن المشكلة نفسها أصبحت جزءاً من حياته اليومية.

ومن هنا يمكن فهم كيف تؤثر الظروف الاقتصادية والاجتماعية في تكوين الأولويات.

عندما يكون الطعام مضموناً، يصبح السؤال: ماذا سأتعلم؟

وعندما يكون السكن مضموناً، يصبح السؤال: ماذا سأبني؟

وعندما تكون الرعاية الصحية متاحة، يصبح السؤال: ماذا سأفعل بقدراتي؟

وعندما يكون المستقبل أقل تهديداً، يصبح لدى الإنسان مساحة أكبر للتخطيط البعيد، والقراءة، والتعلم، والإبداع، والتأمل.

لكن عندما تكون الحاجات الأساسية مهددة باستمرار، فقد يتحول التفكير من صناعة المستقبل إلى إدارة الحاضر.

لذلك لا يكفي أن نقول: لماذا لا يخطط الفقير؟

السؤال الأكثر إنصافاً هو: كم مقدار المساحة الذهنية التي تركتها له ظروف حياته لكي يخطط؟

هذه ليست محاولة لتبرير كل قرار يتخذه الإنسان، ولا تعني أن الإنسان فاقد لمسؤوليته الفردية، لكنها تضع المسؤولية الفردية داخل سياقها الاجتماعي والاقتصادي.

فالإنسان يظل قادراً على الاختيار، لكن البيئة التي يختار داخلها ليست متساوية بين الجميع.

ولهذا فإن مواجهة الفقر لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها توفير المال فقط، وإنما باعتبارها أيضاً تقليل مقدار الطاقة التي يضطر الإنسان إلى استنزافها في حل المشكلات الأساسية.

المجتمع الذي يريد عقلاً منتجاً

إذا كان المجتمع يريد من أفراده أن يتعلموا، ويخططوا، ويبتكروا، ويشاركوا في بناء الاقتصاد والثقافة، فإن الاستثمار في الغذاء، والصحة، والتعليم، والسكن، والمياه، والأمن الاجتماعي ليس مجرد إنفاق على الخدمات.

إنه أيضاً استثمار في القدرة البشرية على التفكير.

فالطفل الذي يحصل على غذاء جيد، وتعليم مستقر، ورعاية صحية، لا يحصل على حياة أفضل فحسب؛ بل يحصل على فرصة أكبر لتطوير قدراته.

والعامل الذي يعيش في بيئة مستقرة لا يبيع وقته فقط، وإنما يستطيع أن يخصص جزءاً من طاقته للتعلم والتطوير.

والمجتمع الذي يخفف عن الإنسان أعباء الضرورات الأساسية يفتح أمامه مجالاً أكبر للانتقال من سؤال:

كيف أبقى؟

إلى سؤال: ماذا أستطيع أن أفعل؟

وهنا ربما يكون الفارق الحقيقي بين المجتمعات ليس فقط في حجم الثروة التي تمتلكها، وإنما في مقدار الطاقة البشرية التي تستطيع تحريرها من صراع البقاء وتوجيهها نحو المعرفة والإبداع وبناء المستقبل.فالعقل البشري لا يعيش في فراغ؛ إنه يتأثر بالبيئة التي يعمل داخلها. وإذا استهلكت الضرورات اليومية معظم طاقته، فقد لا يبقى له من الطاقة الذهنية ما يكفي لكي يحلم بالمستقبل.

ولهذا فإن مواجهة الفقر والجوع والمرض وانعدام الأمن ليست قضية اقتصادية فحسب؛ إنها، في جانب منها، تحرير للطاقة الإنسانية من أسر الضرورة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد