: آخر تحديث

خطاب ولي العهد.. حديث بلغة المستقبل

4
4
3

في مجلس الشورى، لم يكن المشهد مجرد افتتاح سنة جديدة من العمل البرلماني؛ كان أقرب إلى وقوف دولة أمام مرآتها، تستعرض ما أنجزته، وتعيد ترتيب أولوياتها، ثم تمضي بعينٍ لا تتوقف عند ما تحقق. في 30 سبتمبر 2026، ألقى ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- الخطاب الملكي السنوي نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، معلنا عن بدء أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى.

الخطاب لم يتعامل مع السنوات العشر من رؤية السعودية 2030 باعتبارها محطة احتفال، بقدر ما قدمها باعتبارها مرحلة من مسار أطول، فحين أشار ولي العهد إلى تحقيق 93% من مؤشرات أداء برامج واستراتيجيات الرؤية، وإلى نمو الصادرات غير النفطية بنسبة 155% مقارنة بعام 2016، وارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الاقتصاد إلى 51%، كان يضع الأرقام في سياق التحول الاقتصادي الذي شهدته المملكة خلال عقد كامل.

الأرقام مهما علت، لا تصنع وحدها قصة وطن، لذلك بدا المواطن حاضرا في قلب الرواية، فقد نسب سموه -حفظه الله- في الخطاب ما تحقق إلى أداء وكفاءة المواطنين والمواطنات، مؤكداً أنهم "أصل كل نجاح". وهذه العبارة تحديداً تكشف جانباً مهماً من فلسفة المرحلة، فالتنمية ليست مشروعات تقام فقط، ولا مؤشرات ترصد في الجداول، وإنما إنسان يتعلم، ويعمل، ويبتكر، ويصنع أثره في الاقتصاد والمجتمع.

حمل الخطاب عنواناً آخر أكثر اتساعاً وهو الذكاء الاصطناعي، فتسمية 2026 (عام الذكاء الاصطناعي) جاءت في سياق توجه المملكة نحو تطوير التطبيقات والحلول الذكية، ورفع الإنتاجية، وتحسين الخدمات، وتدريب الكفاءات السعودية، كما أشار الخطاب إلى تقدم المملكة في مؤشرات رقمية وتقنية وأمن سيبراني، وإلى تنامي جاذبيتها للاستثمار في التعدين.

في السياسة الخارجية، لم تغب الجغرافيا عن الكلمة. أمن الخليج، واستقرار المنطقة، والقضية الفلسطينية، واليمن والسودان، وأمن الطاقة والممرات البحرية جميعها ملفات حضرت بوصفها امتداداً لموقع المملكة ومسؤولياتها الإقليمية والدولية. وقد أكد ولي العهد -حفظه الله- دعم خفض التصعيد والمسارات الدبلوماسية، مع التشديد على حماية أمن المملكة ومصالحها.

يعود الخطاب إلى نقطة البداية وهي الدولة التي تستمد ثباتها من جذورها، وتستشرف مستقبلها بأدوات جديدة، وثلاثة قرون تقترب منذ نشأة الدولة السعودية، وعقد من رؤية 2030 يمضي إلى مراحله التالية، وبين التاريخ والرؤية، تبدو الرسالة الأوسع للخطاب واضحة أن الإنجاز في قاموس المرحلة ليس خط نهاية، بل نقطة انطلاق، وهنا تكمن دلالة المشهد كله.. فالمملكة العربية السعودية التي تحدثت من منصة مجلس الشورى أمس، لم تكن تستعرض فقط ما فعلته، ولكن كانت تقول بلغة الأرقام والسياسة والتنمية: إن السؤال المقبل ليس: ماذا أنجزنا؟ بل: ماذا سنبني بعد أن عرفنا أننا نستطيع؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد