بدعوةٍ من الرئيس الفرنسي، يزور ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الجمهورية الفرنسية، في زيارة دولة تأتي في توقيت تاريخي لا تخطئه العين، سواء من حيث الأحداث السيارة إقليمياً أو دولياً، أو لجهة العلاقات السعودية الفرنسية.
يصادف العام الحالي (2026) ذكرى مرور مائة عام على بدء العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وباريس في 1926، وقبل أن تظهر للوجود قنصلية فرنسية في جدة عام 1932.
لاحقاً، شكَّلت زيارة الملك فيصل بن عبد العزيز إلى فرنسا عام 1967، ولقاؤه الرئيس شارل ديغول، إحدى المحطات المفصلية التي دفعت العلاقات نحو نطاق سياسي واستراتيجي واسع.
وتعكس هذه الزيارة ديناميكية العلاقات الفرنسية - السعودية، وقدرتها على مواجهة المتغيرات السريعة على كل الأصعدة، خصوصاً في ظل التفاهمات الواسعة، والأهداف المشتركة بين الدولتين. الحديث عن السعودية في الوقت الراهن يعني الإشارة إلى قوة ديناميكية سياسية تلعب دوراً عقلانياً في مقاربات الأمن والاستقرار في إقليم مضطرب من جهة، وتسعى إلى تهيئة حالة من الاستقرار على الصعيد العالمي بوصفها واحدةً من أهم دول مجموعة العشرين.
بات من الواضح أنَّ الأوروبيين، والفرنسيين على رأسهم، يدركون حقائق الجغرافيا السياسية من دون تهوين أو تهويل، وفي مقدمها القول بأنَّ السعودية ليست دولة ذات أهمية فائقة فحسب من جرّاء ثروتها النفطية، بل لأنَّ موقعها وموضعها على الخريطة العالمية، وقدرتها الاقتصادية، إلى جانب مرجعيتها الدينية، تجعل منها قيمة استراتيجية استثنائية.
أما بالنسبة لفرنسا، فتبقى نقطة الوصل الغربية الحقيقية بين التراث الإنساني التنويري وحداثة الحضارة الغربية. فرنسا ليست عاصمة النور بأضوائها بل بأفكارها وتراث فلاسفتها ومفكريها وأدبائها وشعرائها، ورموزها السياسية ومنارتها التعليمية.
وفي الوقت نفسه لا تزال فرنسا تُمثل عقل القارة الأوروبية السياسي الواعي، وقلبها النابض والساعي لمساحة واسعة من استقلالية القرار، وبعيداً عن أي ضغوطات لقوى قطبية كبرى، سواء أكانت شرقية أم غربية، وليس سرّاً القول إنَّها تريد جاهدة أن تُحافظ على حضور مستقل في الشرق الأوسط، ومن دون أي انعكاسات لسياسات دولية مغايرة.
ما يجمع البلدين في واقع الأمر سعيهما المشترك من أجل تحقيق الاستقرار الإقليمي من خلال الدبلوماسية، واحترام القانون الدولي والبحث عن حلول سياسية.
ومن جانب مقابل، تعظيم فرص التعاون على كل المستويات، فالمصالح السعودية - الفرنسية، كما أشار الأمير محمد بن سلمان في المؤتمر الصحافي الذي عقده مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، متعددة، منها السياسي، والعسكري، والاستخباراتي الأمني، والاقتصادي، والتكنولوجي.
ولعله من المؤكد أن أوضاع منطقة الخليج العربي على نحو خاص تبدو من أهم النقاط التي تجمع باريس والرياض، لا سيما في ظل الأحداث الجارية. وتدرك فرنسا والرئيس ماكرون أنَّ قضية الأمن في الشرق الأوسط والخليج العربي تُشكل مصدر قلق بالغ لها، فالمنطقة تشهد صراعات مستمرة لا سيما في اليمن وسوريا والعراق ولبنان وفلسطين، وهذا كله ينعكس على أوروبا. وفي الوقت نفسه، تبدو التصريحات التي صدرت عن الإليزيه قبل الزيارة المهمة بساعات مظهرةً الإدراك العميق لدور السعودية، بوصفها قوة استقرار في منطقة مضطربة، ونقطة ارتكاز في بقعة ذات رمال متحركة.
من هنا يمكن القطع بأن التشاور السعودي - الفرنسي في هذه اللحظة يمنح البلدين الكبيرين هامشاً أوسعَ في الحركة الدولية، خصوصاً في ظل التوترات الأخيرة التي تعوق حركة الملاحة في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، مضيق هرمز، وانعكاسات ذلك على أسعار الطاقة والارتدادات على أحوال الاقتصاد العالمي المشوبة بالكثير من القلق نهاراً والأرق ليلاً.
اهتمام السعودية بالعلاقات المتميزة للغاية مع الجمهورية الفرنسية أمر يعكس ذكاءً دبلوماسياً، وحصافة سياسية عالية، ويعني أن تضحي باريس شريكاً حقيقياً، وفاعلاً مؤثراً في السلم والحرب، وغني عن القول إنَّ أحفاد الغال هم أصحاب دولة ذات حضور جيوسياسي عالمي، ففرنسا ليست مجرد عاصمة أوروبية بل قوة نووية، وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها حضور عسكري وسياسي في الشرق الأوسط والخليج العربي، ويمكنها أن تُمثّل صمام أمان في أوقات النوازل.
وما بين مستهدفات «رؤية 2030»، وبرنامج «فرنسا 2030»، تبقى الشراكة السعودية - الفرنسية فضاءً للتعاون الاستراتيجي المستدام.

