: آخر تحديث

التخلف حالة ثقافية... بلدان متقاربان جغرافيّاً ومتباعدان ثقافيّاً!

4
2
2

يقارن الصحافيُّ والكاتبُ الفنزويلي كارلوس رانخيل بين نيكاراغوا المتأخرة وكوستاريكا المتقدمة، على الرّغم من التشابه بينهما. فهما بلدان متقاربان جغرافياً ومتباعدان ثقافياً. عانت نيكاراغوا من تاريخ طويل من الاستبداد والفساد والعنف والمحسوبية، في الوقت الذي شهدت فيه كوستاريكا وضعاً سياسياً مستقراً وبيئة اقتصادية صحية بمعدلات فساد متدنية. دخل الفرد في كوستاريكا أعلى، ونسبة الأمية أقل، ومتوسط العمر أطول، والخدمات العامة أفضل، والمدن أكثر تنظيماً.

الفكرة الأساسية التي يؤكد عليها رانخيل مرة بعد أخرى أنَّ مشكلةَ أميركا اللاتينية من داخلها وليست بسبب عوامل خارجية. المشكلة ليست في «الإمبريالية» الأميركية، ولكن في الثقافة والتقاليد التي رسّختها إسبانيا في تلك البلدان.

وعلى المقارنة بين البلدين، نيكاراغوا وكوستاريكا، يعلّق لورنس هاريسون، مؤلفُ كتاب «الحالة الأميركية اللاتينية» مفنّداً نظرية التبعية التي تُستخدم كشمّاعة لفشل نيكاراغوا. يقول إنَّ الكفةَ تميل إلى نيكاراغوا مقارنة بكوستاريكا فيما يخصُّ الموارد الطبيعية والمساحة والاستثمارات الأميركية. مساحة نيكاراغوا أكبر من كوستاريكا بنحو ضعفين ونصف، ومواردها أكثر، وعدد سكانها أكبر. أراضيها الصالحة للزراعة أكبر بكثير، وهي ثرية بالمعادن، خصوصاً الذهب. وبالمقارنة، فإنَّ أرض كوستاريكا فقيرة بالموارد.

ويطرح السؤال المهم: «إذا كانت الموارد الطبيعية تصبُّ في مصلحة نيكاراغوا، وإذا كانت الشركات الأميركية متعددة الجنسيات قد (استغلت) كوستاريكا أكثر (وهو ما كان ينبغي، بحسب أنصار نظرية التبعية، أن يجعل كوستاريكا أكثر فقراً)، فكيف نفسر تقدّم كوستاريكا الكبير على نيكاراغوا؟ أعتقد أن التفسير يكمن أساساً في الاختلافات بين الطريقة التي يرى بها النيكاراغويون والكوستاريكيون أنفسهم ومواطنيهم والعالم. نحن نتحدث عن ثقافتين مختلفتين جداً».

رغم مرور عقود على كتابة هاريسون هذه المقارنة، فإنَّ تحليله بقي صامداً حتى اليوم. لا تزال الفجوة واضحة بين البلدين؛ ففي عام 2024 بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في كوستاريكا نحو 18.6 ألف دولار، مقابل 2.85 ألف دولار في نيكاراغوا؛ أي أكثر من ستة أضعاف.

ويحاول هاريسون أن يغوص أكثر في الدوافع الثقافية التي جعلت نيكاراغوا تغرق في الفشل. التاريخ بلا شك يلعب دوراً محورياً. يشير هاريسون إلى كتاب «تاريخ نيكاراغوا» الذي كتبه خوسيه دولوريس غاميز، الذي يقول: «إن إسبانيا مرَّت عام 1492 بتجربتين مدمرتين مادياً وأخلاقياً؛ الأولى كانت عبر طرد أعداد كبيرة من اليهود، الذين كانوا من الصناعيين والتجار وأصحاب الأعمال وأسهموا في ازدهار مملكة غرناطة. والثانية سنوات من الحروب الدموية ضد المسلمين».

كل هذا، كما يقول دولوريس غاميز، أدَّى إلى «ميل إسباني إلى الحرب والطمع والاعتياد على معاناة البشر».

ويضيف غاميز: «أميركا اللاتينية المسكينة، التي كانت نائمة وتحلم أحلام الأبرياء الكسالى، أصبحت ضحية لما حدث في إسبانيا. فأراضيها المليئة بالخيرات والغابات والطيور والكنوز لم تكن كافية لإشباع جشع الجموع الناهبة التي حولت أميركا طوال ثلاثة قرون إلى غنيمة حرب دائمة».

ويقول غاميز إنَّ الفاتحين الإسبان كانوا «حثالة المجتمع الإسباني»، وإنهم كانوا مهتمين فقط بجمع الثروة سريعاً والعودة إلى إسبانيا. وكان جشع الغزاة، كما يقول الكاتب، يقابله جشع الأرستقراطية الإسبانية التي لم تكن تهتم إلا بمصالحها الخاصة. لذلك أُهملت الزراعة، وفُرضت ضرائب ثقيلة، وأصبحت المستعمرات معتمدة بالكامل على إسبانيا في تجارتها. كما أنَّ السيطرة على السكان الأصليين واستغلالهم ونقل الثروات إلى إسبانيا تعززت عبر نظام «الإنكوميندا» (نظام سخرة)، الذي منح المستعمرين السيطرة على أعداد كبيرة من الهنود للعمل في المناجم والحقول، في ظروف وصفها غاميز بأنَّها أسوأ من العبودية.

الفكرة هي ذاتها، والاتهام موجّه إلى الإسبان ليس فقط بسبب الجنود «الحثالة»، كما يصفهم، وليس أيضاً بسبب الأرستقراطية الإسبانية «الاستغلالية»، ولكن بسبب الثقافة التي بثوها في البنية العميقة للمجتمع. زرعوا في عمق ثقافة المجتمع بذور فشله.

نيكاراغوا ليست فقيرة في الموارد، وأرضها صالحة للزراعة، ولديها وفرة من المعادن، وخصوصاً الذهب... ومع هذا فإنها تتخبط في الفقر، في الوقت الذي تنجح فيه كوستاريكا على الرغم من افتقادها كل هذه المزايا. باختصار، فتّش عن الموروث الثقافي.

هاريسون يقول إن الاستعمار الإسباني كان سبباً أساسياً في زرع قيم تعارض التقدم. ثقافة احتقار العمل والمؤسسات وعدم الثقة بها. ثقافة الحصول على المكاسب السريعة واستغلال الآخرين. الثقافة السلطوية وعدم احترام القانون... كلها أثرت على نيكاراغوا سلباً. اعكس هذه القيم وستتعرف بوضوح على الأسباب التي جعلت كوستاريكا تتفوق عليها. ثقافة تهتم بالتعليم والملكية الصغيرة والعمل وسيادة القانون... أي إن كل ما يقال عن نظرية التبعية مجرد خرافة.

مقارنة أخرى بين بلدين يقعان على جزيرة واحدة تكشف أكثر عن محورية العوامل الثقافية في تغيير مصير الدول والمجتمعات. البلدان هما هايتي والدومينيكان. يطرح الكاتب هاريسون السؤال: لماذا هايتي فقيرة والدومينيكان ناجحة، رغم أنَّهما يتقاسمان الأرض نفسها؟ لماذا حدثت الفجوة بين الشعبين؟

مرة أخرى، بلدان متقاربان جغرافياً ومتباعدان ثقافياً، السبب يعود مرة أخرى إلى الثقافة. رغم تشابه تاريخ البلدين، فإنَّ تجربتَيهما الاستعمارية اختلفت؛ فالجزء الشرقي الذي أصبح جمهورية الدومينيكان خضع لإسبانيا، في حين خضع الجزء الغربي الذي أصبح هايتي لفرنسا. الفساد وضعف المؤسسات والاستبداد السياسي أدَّت إلى تدهور هايتي، في الوقت الذي تمكنت فيه جمهورية الدومينيكان من المضي في مسار اقتصادي وسياسي معتدل. ونمت العاصمة سانتو دومينغو لتصبح مدينة جميلة وحيوية.

الواقع أنَّ البلدين مرَّا بظروف تاريخية قاسية. الغزو الإسباني للجزيرة جعل منها في البداية مستعمرة هدفها الأساسي استخراج الذهب. اعتمد الإسبان على العمل القسري للسكان الأصليين عبر نظام «الإنكوميندا»، الذي منح المستعمرين حق الاستفادة من عمل السكان الأصليين وفرض الجزية عليهم، ونظام «الريبارتيمينتو»، الذي كان أكثر تنظيماً من الناحية القانونية، لكنَّه ظل يعتمد على العمل الإجباري.

ومع هذا، فإنَّه لأسباب ثقافية بالدرجة الأولى حققت جمهورية الدومينيكان نسبة معقولة من التنمية والاستقرار السياسي، في الوقت الذي دخلت فيه هايتي في مسار طويل من التعثر. بمعنى آخر، استطاعت الدومينيكان أن تتغلب على أسباب تخلفها.

يشرح هاريسون وكل المؤلفين الذين استشهد بهم المؤشرات القوية التي تؤكد تأثير العوامل الثقافية على مصير الشعوب، حتى لو تقاسموا الأرض نفسها ومروا بالتاريخ نفسه. يحمّل أغلب الكتّاب مسؤولية تردي الحالة الاقتصادية والسياسية في أميركا اللاتينية للاستعمار الإسباني، الذي لعب دوراً محورياً في تشكيل البنية الثقافية التي تناهض التقدم. وإذا عارضت الثقافة النهوض، أصبح من شبه المستحيل إدخال الشعوب إلى المستقبل.

بعيداً عن التفاصيل الصغيرة، فإنَّ الصورة الكبيرة واضحة. لماذا تقدمت أوروبا الغربية وأميركا الشمالية على أميركا اللاتينية؟ ولماذا دخلت غالبية تلك الدول في دوامات قاتمة من الفشل الذي يعقبه فشل؟ الجواب واحد: الثقافة. هناك أسباب عديدة، لكن العامل الثقافي يلعب دوراً جوهرياً.

يتلمس المؤلفون الأسباب العميقة التي شكّلت هذه الثقافة بهدف تغييرها. فتغيير ذهنية التخلف يأتي من خلال تغيير الثقافة التي تشكّلها. وبالنسبة إلى مجتمعات منطقتنا، فالمنطق هو ذاته: «إن الله لا يغيِّر ما بقوم حتى يغيِّروا ما بأنفسهم». تغيير ذهنية التخلف منوط بتغيير ثقافته، بعيداً عن توجيه أصابع اللوم إلى الآخرين!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد