: آخر تحديث

هندسة المستقبل: ماذا يعني محور إسلام آباد – الرياض – أنقرة للمنطقة؟

4
3
3

 

هل نحن أمام تحالفات كثيرة وردع غير كافٍ؟ حسناً، أكره أن أخيّب ظن المتشائمين، لكن الواقع أنهم يغفلون جوهر الإعلانات الأخيرة الصادرة من السعودية، والحقائق الجديدة التي تتشكّل في المنطقة.

بالطبع، عندما تنتهي الحرب، سيكون من الضروري بحث ما الذي يشكّل ردعاً فعالاً حقاً. وإذا كانت العلاقة والتعاون بين دول الخليج والولايات المتحدة راسخين ومتينين، فلا يمكن لأحد استبعاد الحاجة إلى ترتيبات أمنية إضافية ومختلفة، وإلى طريقة جديدة في التفكير، في عصر تغيّرت فيه طبيعة الحرب نفسها بصورة كاملة. ويُعد استخدام الطائرات المسيّرة مثالاً على ذلك؛ فأن تكون أكبر حجماً أو أكثر ثراءً لم يعد يعني بالضرورة أنك أكثر قوة.

أما الذين يقولون إن «إعلان بكين» لعام 2023، أو اتفاقية الدفاع الموقّعة مع باكستان العام الماضي، لم يسهما كثيراً في حماية السعودية، فلا يسعني إلا أن أسألهم: هل أنتم متأكدون؟

وغنيّ عن القول إن السعودية تمثّل، بمفردها، ثقلاً دينياً واقتصادياً وعسكرياً وسياسياً كبيراً. وهذا سبب كافٍ لتفسير تعرضها لأضرار أقل مقارنة ببعض الدول المجاورة. لكن من يستطيع الجزم بأن «إعلان بكين»، رغم خرق طهران له لاحقاً، لم يسهم في الحد من حجم الأضرار؟ أو أن اتفاقية دفاعية مع قوة نووية مثل باكستان، التي تتشارك أيضاً حدوداً طويلة مع إيران، لم تسهم بدورها في حماية المملكة؟

وقبل المضي قدماً، يجدر التذكير بأن الرياض ردّت بالفعل على كل من إيران والميليشيات العراقية، وأنها فعلت ذلك بصورة منفردة، وليس في إطار الحملة الأميركية - الإسرائيلية المشتركة. وجاء الرد السعودي بعد إبلاغ طهران وبغداد مسبقاً، مع توخي أقصى درجات الحرص لتجنب وقوع خسائر في صفوف المدنيين.

وهذا مؤشر يعزز حقيقة أن السعودية قادرة على التحرك بمفردها، وأنها سترد بلا شك على أي عدوان. لكن هذا الرد المحسوب يوضح أيضاً أن الرياض لا تعتزم، في الوقت الراهن، تصعيد الصراع؛ إذ ترى أن ذلك لا يخدم مصلحتها الوطنية حالياً.

ولنتذكر أن السعودية تحتل المرتبة الـ25 عالمياً من حيث القوة النارية، وتمتلك أسلحة متفوقة من حيث الكم والنوع. وهذه تحديداً هي النقطة التي ينبغي لنا جميعاً أن نضعها في الحسبان: ليس ما تملكه من ترسانة، ولا عدد التحالفات أو الاتفاقيات التي تنضوي تحتها، هو ما يصنع الفارق؛ بل اللحظة التي تقرر فيها تفعيل هذه الاتفاقيات أو استخدام أسلحتك.

ولا ينبغي النظر إلى الاتفاقية الموقّعة حديثاً في مكة مع تركيا وباكستان، وكذلك تحالف الدفاع البحري متعدد الجنسيات، باعتبارهما مجرد وسيلة لإسناد القتال إلى أطراف أخرى. فهذه رؤية سطحية لا تعكس الصورة كاملة. إذ تعزز الاتفاقيات الدفاعية الجديدة التعاون والتنسيق بين شركاء استراتيجيين رئيسيين، عازمين على الحفاظ على الاستقرار الإقليمي.

وفيما يتعلق بالبحر الأحمر، يتمثل الهدف الأساسي هنا في إضفاء طابع إقليمي ودولي على أمن هذا الممر البحري. فإذا أُغلق مضيق باب المندب، فلن تتضرر الرياض وحدها، بل دول مثل مصر وجيبوتي، وقارات بأكملها مثل أوروبا، إضافة إلى أسواق الطاقة والمواد الخام.

وإذا كانت الاتفاقية مع باكستان وتركيا تتضمن ترتيباً للأمن الجماعي مستلهماً مباشرة من المادة الخامسة في حلف شمال الأطلسي «الناتو» ــ التي تنص على أن الهجوم على أحد الأطراف يُعد هجوماً على الجميع ــ فإن الصورة الأوسع لا تقتصر على ذلك، كما أنها لا ترتبط بالأزمة الراهنة وحدها.

ويكرر الدبلوماسيون أن هذا التحالف ليس موجهاً ضد طرف بعينه، وهذا صحيح. لكن إلى أولئك الذين يزعمون، بسخرية، أن الأمر لا يتجاوز ضجيجاً كثيراً وتأثيراً محدوداً: هل تريدون حقاً المجازفة؟ وهل يفضّلون اندلاع الحرب أم منع وقوعها؟

وغنيّ عن القول إن هذا التحالف يجمع بين الثروة الهائلة للسعودية وقواتها البرية والجوية المتطورة تقنياً، وبين القدرات التركية الضخمة في مجال الطائرات المسيّرة وقاعدتها الصناعية والتصنيعية، إلى جانب الردع النووي الذي تتميز به باكستان وقاعدتها البشرية الواسعة.

ثم تأتي مسألة الصواريخ. فإذا كانت السعودية تمتلك صواريخ باليستية استراتيجية بعيدة المدى، مثل صواريخ سلسلة «دي إف» الصينية المنشأ، القادرة على حمل رؤوس تقليدية ثقيلة، فإن باكستان هي العضو النووي الوحيد في التحالف الثلاثي، بترسانة مستقرة تضم نحو 170 رأساً نووياً استراتيجياً.

وفي حال دمج القدرات البشرية للدول الثلاث ضمن إطار دفاعي مشترك، فإن إجمالي عدد أفراد قواتها العاملة سيتجاوز 1.38 مليون عسكري، ما سيؤدي فوراً إلى تشكيل أحد أكبر التحالفات العسكرية الدائمة في العالم.

ومع ذلك، فمن الصحيح أيضاً أن الدول الثلاث تتبنى رؤية مشتركة، والأهم ربما أن لديها مصلحة مشتركة في قيام منطقة مستقرة ومسالمة ومزدهرة؛ بما يخدم مصلحة كل دولة على حدة، ويحقق، بدرجة أكبر، المصلحة الجماعية.

وفي هذا السياق، يجدر التذكير بأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان قال إن الاتفاقية مفتوحة أمام «جميع الدول الشقيقة التي تسعى إلى السلام والازدهار والاستقرار في منطقتنا». كما تجدر الإشارة إلى أن التعاون العسكري بين السعودية وباكستان قائم منذ زمن طويل، وأن العلاقات السعودية - التركية شهدت تطوراً كبيراً ومتسارعاً خلال الأعوام الأخيرة.

وعوضاً عن التشكيك، ينبغي للمعلقين أن يرحبوا بوضع قوتين إقليميتين كبيرتين، هما الرياض وأنقرة، خلافاتهما الممتدة جانباً، وقرارهما العمل معاً من أجل تحقيق الاستقرار. كما ينبغي لهم أن يتذكروا أن إسلام آباد كانت، حتى وقت غير بعيد، تُعد مصدراً للمشكلات، بينما تضطلع البلاد اليوم بدور فاعل في مفاوضات السلام وجهود الوساطة.

فهل تنضم دول أخرى إلى «اتفاقية مكة»؟ أعتقد أن القاعدة الذهبية هي ألا نقول أبداً إن ذلك لن يحدث؛ وحده الوقت كفيل بالإجابة.

ثمة أمر واحد مؤكد: التصعيد في الخليج لم ينتهِ بعد، وحتى الآن، تتمسك الرياض وحلفاؤها بتجنب اندلاع حرب شاملة. فالتحالفات الجديدة، شأنها شأن القديمة، وُجدت لتُستخدم ملاذاً أخيراً، وليس أبداً من أجل مفاقمة الوضع.

فيصل  عبّاس، رئيس تحرير صحيفة «عرب نيوز»


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد