ارتبط اللون الوردي تقليدياً بالبنات والنساء، والأزرق بالأولاد والرجال. حركة المساواة النسوية، في الستينات، تمردت على هذا التقسيم، «بوصف ذلك رمزاً لصورة نمطية سلبية للمرأة»... ثم استعادت أجيال لاحقة اللون الوردي، لا رمزاً للضعف، بل للتحدي.
واليوم يستعاد الوردي مرة أخرى، من اتجاه سياسي مختلف.
فنساء يرتدين اللون الوردي ينظمن مظاهرات ضد الهجرة غير الشرعية وفنادق إيواء المهاجرين وطالبي اللجوء، تحت اسم «السيدات الورديات» (بنك ليديز). لا بوصفهن حزباً سياسياً، بل حركة شعبية تضم أمهات وجدات وبنات وأخوات، واهتمامها الأول حماية النساء والأطفال.
وتركز نشاط الحركة في مناطق وصول قوارب المهاجرين أو إسكانهم. وليست تنظيماً تقليدياً له بطاقات عضوية وهيكل حزبي، بل شبكة من مجموعات محلية وناشطات يتحدث بعضهن باسمها.
وسرعان ما لحقتها تصنيفات، في الإعلام اليساري الليبرالي: من «اليمين المتشدد» إلى «اليمين المتطرف»، بل و«القومية العرقية».
فالحركة تقع على يمين الخريطة السياسية البريطانية، وظهر في بعض أنشطتها ومسيراتها أشخاص ينتمون إلى تيارات أكثر تشدداً. لكن وجود متطرف في مظاهرة لا يجعل كل امرأة ترتدي الوردي «فاشية» أو «نازية»؛ كما أن الدعوة إلى تشديد الهجرة لا تعني بالضرورة «القومية العرقية»، التي تعرف الانتماء الوطني بالعرق أو الأصل.
كما لم يظهر دليل مقنع على انتماء «السيدات الورديات» إلى شبكة أوروبية منظمة؛ فهناك حركات مشابهة في القارة الأوروبية، والأفكار تنتقل بسرعة عبر وسائل التواصل، والتشابه لا يثبت وجود تنظيم واحد.
لكن، لماذا تظهر الحركة الآن؟
فأكثرية القادمين عبر بحر المانش في القوارب رجال بالغون. وتقول الحركة إن حتى نسبة واحد في المائة ممن يصلون قد يحملون مواقف معادية للنساء، تمثل خطراً إضافياً في بلد يعاني أصلاً من جرائم العنف الجنسي ضد النساء. والقانون لا يدين أحداً لجنسيته أو ثقافته، بل يحاسب الفرد على أفعاله. لكن ذلك لا يعني أن مناقشة الاختلافات الاجتماعية والثقافية في النظرة إلى المرأة تدان تلقائياً بوصف ذلك «عنصرية».
والحكومة نفسها دخلت هذا الجدل ربما مصادفة.
فوزارة الداخلية بدأت توزيع دليل على طالبي اللجوء بعنوان «فهم السلوك والتوقعات في المملكة المتحدة»، يوضح أن الرجل والمرأة متساويان أمام القانون، وأن المرأة لا تحتاج إلى إذن زوج، أو أب أو أخ للعمل أو الدراسة أو السفر، وأن العنف الأسري جريمة، وأن العلاقة الجنسية تتطلب الرضا.
واعترض اليساريون على الدليل، بينما طرح آخرون سؤالاً أبسط: إذا لم تكن هناك اختلافات اجتماعية تحتاج إلى شرح، فلماذا رأت الحكومة ضرورة شرحها؟
وتعريف القادم إلى بلد جديد بقوانينه وعاداته ليس بمستحدث؛ فالبريطاني المسافر إلى دولة ذات تقاليد مختلفة يتلقى تحذيرات من وزارة الخارجية، ومن شركة الطيران قبل الهبوط، بشأن المظهر أو السلوك العام، أو ما يجوز وما لا يجوز قانونياً واجتماعياً. ولا يعدّ إهانة للبريطانيين.
ويمكن لبريطانيا أن تكون مجتمعاً متعدد الأعراق والأصول، من دون أن تصبح «غيتوهات» اجتماعية منفصلة بقواعدها المدنية الخاصة؛ فالناس يحتفظون بأديانهم وأصولهم وتقاليدهم، لكنهم يعيشون تحت قانون واحد وثقافة مدنية بريطانية مشتركة.
وهنا تصبح «السيدات الورديات» أكثر إثارة للاهتمام سياسياً من مجرد مظاهرة أخرى أمام مراكز إيواء مهاجري القوارب.
فالقضايا التي عدّت تقليدياً «قضايا نسائية» كانت يسارية وليبرالية: المساواة، والتمييز، ورعاية الأطفال، وحماية المرأة من العنف.
لكن، ماذا يحدث عندما تبدأ حركة نسائية ربط حماية المرأة بالهجرة والاندماج؟
هنا ينتقل مركز الثقل التقليدي للحركة النسائية إلى ساحات سياسية يشغلها «الإصلاح» والتيار الشعبوي اليميني.
وقد تكون الظاهرة عابرة؛ فحركات الاحتجاج تنمو أحياناً حول فندق أو جريمة أو قرار حكومي، ثم تختفي بانتهاء القضية. لكن تجاهلها بوضع لافتة آيديولوجية عليها قد يكون خطأ جسيماً.
والأم القلقة من إيواء مهاجرين طالبي اللجوء قرب منزلها ليست من «اليمين المتطرف» لمجرد التحاق ناشط متشدد بالوقفة الاحتجاجية نفسها. وفي المقابل، لا يستطيع منظمو المظاهرات تجاهل نوعية الجماعات التي تحاول باستمرار الالتحاق بهم.
والسؤال أمام وستمنستر: هل بدأت الهجرة تتحول من قضية سياسية عامة إلى قضية نسائية؟
فالوردي الذي رفضته حركة تحرير المرأة قبل عقود، ثم استعادته نساء أخريات رمزاً للتحدي، يرتديه اليوم فريق جديد من النساء للدفاع عن ثقافة اجتماعية بريطانية تتعرض للتهديد من الهجرة.
فهل تنمو «السيدات الورديات» إلى حركة سياسية مؤثرة؟ أم تختفي بوصفها سحابة صيف؟
وربما من الأفضل، قبل لصق التصنيفات بهن، أن يسأل السياسيون: لماذا خرجن إلى الشوارع أصلاً؟ ربما بدعوتهن للحوار في إحدى قاعات وستمنستر.

