: آخر تحديث

الاستثمار في المحتوى

5
4
2

من يتابع المشهد الإعلامي خلال السنوات الماضية يلاحظ حجم التغير الذي طرأ على صناعة المحتوى، بدءاً من الصحيفة الورقية التي كانت تصل إلى القارئ كل صباح، مروراً بالمواقع الإلكترونية ومنصات الأخبار، وصولاً إلى شبكات التواصل والذكاء الاصطناعي الذي أصبح قادراً على الوصول إلى المعلومة وتلخيصها وتقديمها خلال ثوانٍ..هذا التحول غيّر طريقة استهلاكنا للمحتوى، وغيّر معه القيمة التي يبحث عنها المتلقي، وفتح المجال أمام نموذج اقتصادي يقوم على الاستثمار في المحتوى نفسه.

في السابق كانت الصحيفة تجمع الخبر والتحليل والرأي والإعلان في منتج واحد يصل إلى القارئ في وقت محدد، ثم جاءت المواقع الإلكترونية ورفعت سرعة النشر، وبعدها منصات التواصل التي جعلت الخبر يصل مباشرة إلى الهاتف، واليوم يدخل الذكاء الاصطناعي إلى هذه الدورة ليختصر الوقت بصورة كبيرة، ويجمع المعلومات ويقدم ملخصاتها ويشرح سياقها وفق حاجة المستخدم.. وأمام هذا التطور أصبحت المعلومة متاحة من مصادر كثيرة، وأصبح وقت المتلقي وانتباهه من العناصر المؤثرة في صناعة المحتوى.

وهنا تبرز فرصة مهمة أمام المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في الاستثمار بالمحتوى الأصيل الذي يملك قيمة واضحة، ويستطيع بناءعلاقة مستمرة مع الجمهور.. فالمتلقي الذي يدفع قيمة اشتراك شهري يحتاج إلى محتوى يمنحه معرفة تستحق هذا المقابل، مثل التحليل المتخصص، والتقارير المعمقة، والقصص الصحافية، والمعلومات الحصرية، والمحتوى المرتبط باهتماماته.. وتجارب بعض الصحف والمنصات الخليجية في تطوير الاشتراكات الرقمية تقدم مساحة مهمة لدراسة هذا النموذج وفهم سلوك الجمهور تجاه المحتوى المدفوع.

والسؤال المهم هنا يتعلق بالقيمة التي يمكن أن تجعل شخصاً يدفع مقابل المحتوى في وقت يستطيع فيه الوصول إلى كمية ضخمة من المعلومات خلال ثوانٍ؟ باعتقادي أن الإجابة تبدأ من جودة المحتوى وأصالته وفائدته، ثم طريقة تقديمه..فالمتلقي يبحث عن مادة تساعده على فهم الموضوع بسرعة، وتختصر عليه الوقت، وتمنحه المعلومة والسياق في مساحة مناسبة.. ومن هنا يمكن أن تتحول صناعة المحتوى إلى صناعة للقيمة، ويصبح الاشتراك نتيجة طبيعية لعلاقة تقوم على الثقة والفائدة المستمرة.

حتى البودكاست الذي شهد توسعاً كبيراً خلال السنوات الماضية يدخل اليوم مرحلة جديدة في طريقة تقديمه واستهلاكه، حيث يمكن للحلقة الواحدة أن تتحول إلى منتجات عدة، من مقاطع قصيرة وملخصات، بحيث يصل المحتوى إلى الجمهور بأشكال تتناسب مع الوقت والمنصة وطريقة الاستخدام، وهذا يعني أن المحتوى أمام مرحلة ثرية بالفرص، وسيكون الاستثمار الحقيقي مرتبطاً بالقدرة على فهم الإنسان المتابع للشاشة، ووقته المحدود، واهتماماته المتغيرة، وكلما استطاعت المؤسسات صناعة محتوى يوفر الوقت ويضيف معرفة ارتفعت قيمته وتحولت العلاقة مع الجمهور إلى قيمة اقتصادية مستدامة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد