: آخر تحديث

ما قيمة اسم الصحيفة في عصر المعلومات؟

5
4
4

بعد مقالي السابق «الرياض واليمامة.. رجاء لا رثاء»، دخلت نقاشا يتجاوز إيقاف الورق؛ قضية تهم صناعة الصحافة المحلية كلها.

فريق يرى الإيقاف، وآخر يرى الاستمرار ولو جزئيا، ولكل حساباته؛ قارئ يحن إلى الورق وآخر لا يكاد يمسك صحيفة، وصحفي وكاتب يريدان وصولا يليق بعملهما، ومساهم يحسب العائد، وتاجر يبحث وسط غابة السوشال ميديا عن منصة رصينة لبضاعته وعلامته، ومسؤول يعنيه حضور إعلام بلده وتأثيره، ومجتمع يريد إعلاما موثوقا يعكسه ويحفظ ذاكرته. وقد يجمع الشخص أكثر من موقع؛ يحن إلى الورق كقارئ، ويميل إلى إيقافه كمساهم.

لكن بينما يدور النقاش حول: نستمر في الطباعة أم نتوقف؟ قادني ذلك إلى سؤال أكبر: ما قيمة اسم الصحيفة في عصر المعلومات؟

«The Economist»، المولودة عام ١٨٤٣، أصبحت ٨٤٪ من اشتراكاتها الجديدة رقمية فقط، ومع ذلك أبقت إصدارها الأسبوعي المطبوع. وفي المقابل، يرصد تقرير «State of Local News 2025» لجامعة Northwestern أن أكثر من ٨٠٪ من الصحف اليومية الأميركية خفضت أيام الطباعة، وبعضها أوقفها تماما.

صناعة الصحف اتجاهها واحد نحو الرقمنة و "الذكمنة"، لكن حسابات الورق داخلها مختلفة.

حجة الإيقاف اقتصادية: الطباعة المحدودة ليست ورقا وحبرا فقط؛ خلفها مطبعة أو متعهد، ونقل وتوزيع ومرتجعات وتحصيل وإدارة، لمنتج يتراجع قارئه وإعلانه بينما سبقه الخبر إلى الهاتف. وبمنطق المساهم: إذا كان المنتج يخسر، فأوقف خسارته واستثمر حيث ذهب العميل.

ولو كانت قيمة الصحيفة هي ما تبيعه نسختها فقط، لانتهى المقال هنا.

لكن هل النسخة هي كل ما نملكه؟

في الاقتصاد لا تتحقق قيمة الأصل دائما داخله؛ فالمطار مثلا لا تقف قيمته عند إيراداته، بل فيما يولده حوله من سياحة وفنادق وأسواق واستثمار.

والصحيفة قد تكون كذلك؛ فالنسخة ليست المؤسسة، لكنها حضور مادي لاسمها. قد تجعل أسبوعية مميزة الاشتراك أكثر جاذبية، وتمنح المعلن مكانا رصينا لبضاعته وعلامته، وتبقي الاسم والشعار في الأسواق والمكاتب والطائرات والفنادق والمجالس والبيوت.

لكن الحضور لا يصنع قيمة لمجرد الوجود؛ يجب أن يظهر أثره في الاشتراك والإعلان وتذكر الاسم والثقة به. وهنا نصل إلى أصل قد يكون أثمن من النسخة نفسها: اسم الصحيفة.

وللاسم قيمة ظاهرة فيما يحققه اليوم، وأخرى كامنة فيما يستطيع أن يفتحه غدا.

وهذا يعيدني إلى تجربة قبل نحو عشر سنوات، حين قدمت لإحدى الصحف مقترحات تحسبا لطوفان المعلومات. كان كل مقترح يلقى استحسانا، ثم تأتي «لكن»: هذا لا يليق بالاسم، وهذا ليس من سمته، وهذا لا يناسبه.

ومهما اختلفت المبررات، كانت تعود إلى الاسم وضرورة صونه؛ حتى قلت في نفسي يومها: الآن فهمت لماذا يسمون الصحافة «صاحبة الجلالة»

كان الحرص على الاسم مفهوما، لكن هل كنا نحمي قيمة الاسم، أم الصورة التي اعتدنا أن نراه فيها؟

فالمنتج الجديد قد ينسجم مع قيم المؤسسة ورسالتها وإن لم يشبه ما اعتدنا رؤيته تحت اسمها. وهنا تنقلب وظيفة البراند: من حدود نحميها، إلى رأس مال نستثمره.

في اقتصاد الصحافة القديم ظل الاسم مرتبطا غالبا بمنتج رئيسي واحد. أما عصر المعلومات فقد فك هذا الارتباط. ولعل أمازون تقدم التشبيه الأقرب: بدأت بالكتب، لكنها لم تجعل الكتاب حدودا لاسمها. ولو كان معيار كل منتج جديد: «هل يليق باسم بائع كتب؟» لبقي نموها محصورا في الرف نفسه.

وتخيلوا «الرياض» و«الجزيرة» و«عكاظ» و«الشرق الأوسط» و«الوطن» وغيرها، لا كصحف فقط، بل كأسماء موثوقة يمكن أن تولد تحتها منتجات وشركات ووظائف جديدة، وتضيف قيمة اقتصادية في عصر المعلومات والذكاء الاصطناعي.

وهنا تظهر القيمة الكامنة للبراند الصحفي: ليس فقط فيما يبيعه اليوم، بل فيما يستطيع اسمه أن يبيع غدا.

لكن قوة الاسم وحدها لا تدفع فاتورة. فإذا قلنا إن للورق دورا في إبقاء الاسم حاضرا، فعلينا قياس أثر وجوده وغيابه في الاشتراك والإعلان والثقة بالاسم وأداء المنتجات الجديدة التي تحمله.

فتنفصل معادلتان:

أثر الورق في قيمة البراند − كامل تكلفة بقائه = جدوى الطباعة.

وقد يكون إيقاف الطباعة قرارا صحيحا، بينما التفريط في قيمة الاسم خطأ أكبر.

فالتقنية التي نزعت من الصحيفة احتكار توزيع الخبر، هي نفسها التي حررت اسمها من حدود المنتج الواحد.
«داوها بالتي كانت هي الداء».

وهنا يصبح قرار الطباعة جزءا من استراتيجية الاسم، لا استراتيجية المؤسسة كلها.

قد تتوقف الصحيفة عن الطباعة أو تطبع جزئيا؛ أما اسم صنعته أجيال، فالحكمة أن يستمر في صناعة القيمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.