: آخر تحديث

الحرس الثوري أمام شبح الثورة والتمرد

5
6
4

 

من الشارع المحتج إلى الأطراف المسلحة، تتكاثر داخل إيران مؤشرات يصعب قراءتها بوصفها حوادث منفصلة، فهل بدأ الحرس الثوري ينتقل من مؤسسة صنعت جانباً كبيراً من نفوذ إيران خارج حدودها إلى مؤسسة مضطرة إلى تخصيص جزء متزايد من قدراتها لحماية النظام في الداخل؟

ورغم احتفاظ الحرس بترسانة صاروخية وشبكات عسكرية وأمنية واسعة، وقدرة واضحة على إيلام خصوم إيران، فإن هذا السؤال يصبح أكثر إلحاحاً حين تُقرأ التطورات الداخلية مجتمعة، فالمشكلة التي تواجه طهران لم تعد تأتي من جبهة واحدة، بل من اتساع المساحة التي يتعين على النظام حمايتها، وارتفاع كلفة هذه الحماية، وتزايد الضغوط على موارده وقدرته على المناورة.

وتبدأ المؤشرات من قمة النظام الإيراني، ففي أغسطس 2026، شهدت القيادة العسكرية والأمنية إعادة تشكيل واسعة، تولى أحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري، وعُيّن مصطفى إيزدي نائباً له، فيما عاد حسين طائب، الرئيس السابق لاستخبارات الحرس، إلى قيادة الباسيج.

وبالتوازي، عُيّن محسن رضائي أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً للمرشد فيه، وهذه ليست مجرد مناصب موزعة على أسماء قديمة، بل استدعاء واضح لرجال الحرس والأمن والولاء الصلب في لحظة لم تعد فيها حماية نظام الملالي منفصلة عن الحرب التي يخوضها في الخارج.

وتحمل عودة حسين طائب دلالة أكثر وضوحاً، فالباسيج، وهي قوة تعبئة شبه عسكرية مرتبطة بالحرس الثوري، تمثل إحدى أهم الأذرع التي يعتمد عليها النظام في مراقبة المجتمع الإيراني، والسيطرة على الشارع، وقمع الاحتجاجات. وطائب أمضى سنوات في قلب العمل الاستخباري للحرس، وهو ليس مجرد مسؤول إداري عائد إلى موقعه، بل أحد رموز البنية الأمنية التي واجهت الاحتجاجات والمعارضة بعقلية القمع والاختراق والتخويف.

وفي أغسطس، نشرت "إيران إنترناشيونال"، وهي وسيلة إعلامية معارضة للنظام الإيراني، تسجيلاً قالت إنه لاجتماع مغلق لـ"مقر الإعلام والفضاء السيبراني"، ودار الحديث، بحسب التسجيل، عن احتمال عودة الاحتجاجات، وتراجع البيئة الاجتماعية المساندة للباسيج، والحاجة إلى توسيع مراقبة النشاط المعارض على شبكات التواصل.

وقد سبق ذلك مقتل حميد رضا رجب زاده، وهو منشِد ديني موالٍ للسلطة، في حادثة أثارت قلق الأوساط المرتبطة بالنظام. وبينما بقيت دوافع الجريمة محل تحقيق، وتضاربت الروايات حولها، فإن ما يهم سياسياً هو المناخ الذي كشفته، فجهاز أمني قمعي يُفترض أن يخشاه الشارع بدأ يتعامل بحساسية متزايدة مع أمن رجاله ورموزه داخل المجتمع الذي يراقبه ويخضعه.

ومن جهة أخرى، يكشف سلاح الإعدام الوجه الأكثر دموية من هذا الخوف، فبحسب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، أعدمت السلطات الإيرانية منذ 19 مارس 2026 ما لا يقل عن 56 شخصاً بتهم مرتبطة بالأمن القومي، بينهم 27 في قضايا متصلة باحتجاجات مطلع العام، فيما يواجه أكثر من مئة آخرين خطر الإعدام. وهذه ليست أرقاماً عابرة، بل تكشف نظاماً مرتبكاً يرى في عودة الشارع تهديداً مباشراً لسلطته، ويرفع ثمن المعارضة كلما اقترب الغضب الشعبي من التحول إلى حركة سياسية تتحدى بقاءه.

وفي أغسطس، انضمت ألمانيا إلى 31 دولة أخرى وإلى الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي في بيان أدان إعدام المتظاهرين، واعتبر استخدام عقوبة الإعدام أداة لإسكات المعارضة وتخويف المجتمع.

ولا تتوقف مخاوف النظام الإيراني عند المدن، حيث يخشى عودة الانتفاضة وغضب الشارع، ففي الأطراف تجاوز الخطر الاحتجاج إلى المقاومة المسلحة. وفي المناطق الكردية، تحدثت تقارير معارضة عن تعزيزات للحرس وانتشار عسكري قرب الحدود العراقية، بينما أشارت تقارير أخرى إلى تحركات عسكرية وقيود على الوصول إلى مناطق حدودية في كردستان.

لا تكمن أهمية ذلك في حجم القوة وحده، بل في دلالته، فطهران مضطرة إلى إبقاء جبهتها الكردية تحت رقابة أمنية وعسكرية مكثفة، في وقت تحتاج فيه إلى توزيع قدراتها على تهديدات خارجية وداخلية متزامنة.

أما بلوشستان، فشهدت تحولاً أكثر وضوحاً، ففي ديسمبر 2025، تشكلت "جبهة المقاتلين الشعبيين" بوصفها إطاراً مسلحاً بلوشياً جديداً، بعد اندماج "جيش العدل"، وهو تنظيم بلوشي مسلح معارض لطهران، مع جماعات بلوشية أخرى، في محاولة لتجاوز سنوات من التشظي وبناء إطار أكثر تنسيقاً في مواجهة النظام.

وسرعان ما انتقل الاندماج إلى الميدان، مع تبني الجبهة هجمات ضد قوات الأمن والحرس في محيط زاهدان ومناطق أخرى. وهذا لا يعني أن الجبهة باتت قوة قادرة على تهديد النظام على المستوى الوطني، لكنه يعني أن النظام يواجه في الطرف الشرقي تحدياً مسلحاً أكثر تنظيماً من السابق، يفرض عليه استنزافاً أمنياً وعسكرياً واستخبارياً مستمراً.

والمفارقة أكثر قسوة على نظام ديكتاتوري وُلد من ثورة عام 1979، فبعد عقود من الحديث عن تصدير الثورة إلى الخارج، يستهلك اليوم جزءاً متزايداً من أجهزته وموارده لمنع تشكل شروط ثورة جديدة ضده في الداخل.

والمفارقة السوداء أن الحرس الثوري، الذي تأسس لحماية الثورة، ثم تحول إلى أداتها الأهم خارج الحدود، يجد نفسه اليوم أمام مهمة لا يستطيع تفويضها إلى حزب أو ميليشيا أو وكيل، وهي حماية نظام الملالي داخل إيران نفسها.

وهنا يظهر معنى العمق الاستراتيجي الذي بنت عليه إيران جانباً كبيراً من نفوذها الإقليمي، فمن العراق وسوريا إلى لبنان واليمن، دفعت طهران خطوط المواجهة بعيداً عن أراضيها، واستخدمت الحرب بالوكالة لفرض الكلفة على خصومها العرب وإسرائيل عبر الحلفاء والسلاح والتمويل والتدريب والصواريخ والمسيّرات.

وكان المكسب الأهم هو المسافة، أي أن تدور المواجهة في ساحات الآخرين، وأن يبقى قلب النظام الإيراني بعيداً، قدر الإمكان، عن كلفتها.

لكن الاتجاه الذي حكم هذه الاستراتيجية لعقود بدأ ينعكس، فبدلاً من أن تدفع إيران الخطر بعيداً عن حدودها، بات جزء متزايد من قدراتها مطلوباً لمواجهة الخطر الذي يتهددها في الداخل.

ومع استمرار الخوف من الانتفاضات الشعبية من جانب، واتساع المقاومة المسلحة في بعض الأطراف من جانب آخر، تتحول هذه الضغوط إلى استنزاف داخلي للقدرات، فالأجهزة القمعية تنشغل أكثر بالداخل الإيراني، والقدرات الاستخبارية تُستهلك في مراقبة الشعب، وملاحقة المعارضين، ومتابعة النشاط الرقمي، واحتواء المسلحين، وحماية رموز النظام، وكل ذلك يضيّق هامش المرونة المتاح للحرس خارج إيران.

ولا يعني ذلك أن الحرس الثوري فقد أدواته الخارجية، أو أن النظام يقف على حافة الانهيار غداً، فما زال يمتلك ترسانة صاروخية كبيرة، وأجهزة أمنية كثيفة، وقدرة على القمع، وشبكات نفوذ إقليمية واسعة.

لكن الحقيقة الواضحة هي أن طهران أمضت عقوداً تجبر خصومها على إنفاق المال والموارد لحماية أنفسهم منها، فيما تجبرها المعادلة التي تتشكل اليوم على إنفاق المزيد لحماية نفسها.

وعندها لن يكون السؤال الأهم: كم صاروخاً بقي في مخازن الحرس الثوري؟ بل كم بقي لديه من الرجال والمال والقدرات والمرونة ليواصل الضغط على خصومه خارج إيران، بعدما أصبح الداخل الإيراني والشارع نفسه مصدر قلق وخوف متزايد يهدد بقاء النظام.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.