السؤالُ الأبرزُ الذي طرحه عالمُ الاجتماع الشَّهير ماكس فيبر هو: لماذا تنجحُ جماعاتٌ معينة وتحقق قفزاتٍ اقتصاديةً أكثرَ من غيرها؟!
الخلاصةُ المعروفةُ التي انتهى إليها فيبر تؤكد وجودَ علاقةٍ قوية بين الدين والإنجاز الاقتصادي. فحص سجلاتِ في مدينة بادن الألمانية ولاحظ التالي: البروتستانت أكثرُ إنجازاً من الكاثوليك، واليهودُ أكثر إنجازاً من البروتستانت. قادته هذه المقارناتُ إلى أنَّ الدينَ يلعب دوراً عميقاً في دفع جماعاتٍ معينة إلى النجاح وتعطيلِ جماعات أخرى.
ما يقصده فيبر هو القيمُ والمُثل التي يحضُّ عليها دينٌ معين، وليس العقيدة الإيمانية ذاتها. قيمٌ مثل العملِ الجاد والادخار والأمانة والعقلانية والتقشف. كلُّ هذه القيم تحرّض الجماعاتِ التي تعتنقها على الازدهار، وتؤمن بأنَّ علاماتِ النجاح هي دليلٌ على رضوانِ الله عليها.
دفعت هذه القيمُ إلى ما عُرف لاحقاً بالرأسمالية، التي تقومُ على الادخار ومن ثم الاستثمار حتى يتراكمَ رأسُ المال وتتشكَّل الثروة.
الكاثوليك، من جهة أخرى، ذهبوا في اتجاهٍ آخر.
كانَ تركيزهم على العالم الآخر يجعلهم أقلَّ قدرة على التنافس الاقتصادي في الحياة الدنيا. تبنّوا قيماً مختلفة عن البروتستانت واليهود. النقطة الأخرى هي أنَّ العلاقة الأبوية بين رجال الدين والعامة جعلتِ الناسَ خاضعين لهم ولا يخرجون عن تعاليمهم، وهذا على العكس من البروتستانت الذين تمتَّعوا بالحرية والعلاقة المباشرة مع الله؛ الأمر الذي أضعف سلطةَ رجال الدين عليهم. من مزايا الخروج عن هذه السلطة الكهنوتية تعلم القراءة والكتابة؛ الأمر الذي زادَ من معارفهم ومهاراتهم. الكاثوليك، في المقابل، كانوا في حاجةٍ إلى رجال دين ليقرأوا لهم كتابَهم المقدس. كان هناك وسيط بين العبد وربه. قبل أن تنهض النمور الآسيوية، تحدث فيبر عن القيم والعادات السلوكية التي دفعتها إلى الركود. هذه القيم المستمدة من الأديان الشرقية مثَّلت عائقاً أمام التنمية. لقد جعلت الإنسانَ مستلب الإرادة وواقعاً تحت تأثير قوى أكبر منه هي من تقرر مصيره. إضافة إلى التقاليد القوية المتمثلة في الطاعة العمياء للآباء والخضوع للتقاليد والولاء العائلي المفرط؛ الأمر الذي جعل التغيير شديد الصعوبة.
وفيبر لا يتحدّث عن أنَّ هناك أدياناً أفضلَ من أخرى، أو أنَّ هناك عقائدَ صحيحة وعقائدَ خاطئة. ما يشرحه هو أنَّ القيم لدى البروتستانت تحتوي على تعاليم تساعد أكثرَ على الازدهار الاقتصادي، وتغرس في البنية الذهنية والنفسية منذ الطفولة مبادئَ تغوص عميقاً لتشكّل سلوكَ الشخص وتجعله ميالاً للنجاح أكثر من غيره.
هذه القيمُ مثل: العمل المتواصل، والانضباط الذاتي، والادخار بدل الاستهلاك، واحترام الوقت، والتعليم والقراءة، واعتبار النجاح المهني واجباً أخلاقياً، كلها دفعت إلى تراكم رأس المال ومن ثم الثورة الصناعية.
من جهة آسيا، قبل أن تزدهرَ، غرقت في التعاليم الأبوية والاحترام المبالغ فيه للتقاليد والعادات وإحساس الفرد بأنَّه مقيَّد ومسيّر، فأفضى ذلك إلى تراجعها.
عالمُ النفس ديفيد ماكليلاند يطرح السؤالَ الأهم: لماذا تتطوّر بعضُ الدول أسرعَ من غيرها؟
الإجابةُ عن هذا السؤال تكمنُ في داخل الإنسان والمجتمعات نفسها، وليس خارجها. القوى التي تنتج التنميةَ وتقود إلى النجاح وتحفّز على التغيير هي دوافعُ عميقة في النفس البشرية، قبل أن تكونَ في المصانع والموارد الطبيعية.
يعتقد ماكليلاند أنَّ التنمية تحدث عندما ينتج المجتمع عدداً أكبرَ من الأشخاص الذين يملكون ما سمَّاه «الحاجة إلى الإنجاز». وهم الأشخاص الذين يسعون بقوة إلى النجاح الشخصي، ويضعون أهدافاً واضحة، ويتحمَّلون المسؤولية، ويفضّلون الإنجاز على الراحة، ويبحثون عن التحدي. في المجتمعات التي يزيد فيها هذا النمط من الشخصية، تكون أقربَ إلى التفوق على غيرها.
حلل ماكليلاند قصص الأطفال في نحو ثلاثين دولةً، ووجد أنَّ القصص التي تمجّد الاجتهاد والنجاح والمبادرة والاعتماد على النفس ترتبط لاحقاً بمعدلات نمو اقتصادي أعلى.
أي أنَّ غرسَ مثل هذه الثقافة في الصغر يشبه غرسَ البذور التي ستتفتح لاحقاً عبر نجاحات اقتصادية ومجتمعية.
من أشهر الأفكار التي طرحها ما تتعلَّق بالتربية وأهميتها القصوى. يرى أنَّ السنوات بين الخامسةِ والثانيةَ عشرة من العمر حاسمة في تكوين دافع الإنجاز وحافز النجاح.
ويرى أنَّ أفضلَ القيم والعادات التي تساعد في هذه المرحلة العمرية تكمنُ في التالي: معاييرُ مرتفعةٌ للطفل ولكن معقولة في الوقت ذاته، وتشجيعُ الطفل على الاستقلال، وتدخّل أبويّ محدودٌ وليس خانقاً، وإظهارُ الفخر بإنجازات الطفل.
الطفلُ يحتاج إلى أن تضع له معاييرَ عالية، ولكن ليست خانقة، وتعلّمه أن يعتمدَ على نفسه، وأن يتدخَّلَ الأبُ بشكل محدود وليس بطريقة تمسخ شخصيته، والافتخار بالطفل وليسَ تحطيمه. الدَّلال المفرط أمرٌ مضرّ، مثله مثل التَّسلط المفرط. ويقدّم نصيحةً مهمة للحكومات، حيث يقول:
«لا تنظروا إلى الخطط الاقتصادية، بل إلى تأثير هذه الخططِ في قيم النَّاس ودوافعهم وسلوكهم؛ لأنَّ هذه العوامل هي التي تحدد نجاحَ التنمية والنجاح على المدى الطويل».

