نعيش في ظروف استثنائية منذ حوالي ألف يوم. خلال الحرب، كان هناك شعور دائم بالخطر، شعور بأن الموت قريب. توقف القصف المتواصل، لكن الفلسطينيين ما زالوا يُقتلون بشكل شبه يومي. تنتشر الفئران والأمراض. ولا يزال سوء التغذية متفشياً. ليس من السهل أن تكون صحافياً في غزة. خلال الحرب، قُتل العديد من زملائي. وعرقلت انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة إرسال تقاريري. أعمل الآن من مقهى متصل بالإنترنت. ولا يزال الوقود شحيحاً وباهظ الثمن. وعندما لا أستطيع استخدام السيارة، أسير مسافات طويلة للوصول إلى موقع الحدث.
عمري 29 عاماً، نزحت أنا وعائلتي من منزلنا ست مرات منذ 7 أكتوبر. خلال الحرب، وفي الأشهر التي تلتها، كانت سلامة أحبائي أولوياتي القصوى. ولكن إلى جانب ذلك، شعرت بمسؤولية إخبار العالم قصة وطني، لأن مهمتي كصحافية هي أن أشهد وأُسمع صوت من لا صوت لهم.
مشاهد لا تُنسى، ألسنة لهب برتقالية ساطعة ودخان كثيف يتصاعد من انفجار هائل ليلاً. يتطاير الشرر في الهواء، وتظهر الأشجار والمباني كظلال. بعد ورود أنباء عن تخطيط إسرائيل لهجوم في المنطقة، صعدتُ إلى سطح أحد المباني أنتظر وأرى ما قد يحدث. بعد حوالي ساعتين، سمعتُ صوت طائرة مقاتلة. وبعد ثوانٍ، رأيتُ من خلال عدسة الكاميرا ألسنة اللهب تتصاعد، أعقبها انفجار هائل. بعد تصوير الانفجار، توجهتُ إلى الموقع. وما إن وصلتُ حتى شممتُ رائحة المتفجرات العالقة. كان الزجاج المكسور وقطع الحجارة متناثرة في الشوارع. لقد استهدفت الغارة مسجداً.
من أحد أكثر المشاهد إيلاماً التي رأيتها في حياتي. كانت جنازة 112 شخصاً انتُشلت رفاتهم أخيراً من تحت الأنقاض. ما دفعني لالتقاط الصور هو حجم الخسارة الهائل. أردتُ أن أنقل ليس فقط فداحة المأساة، بل أيضاً الرحلة الطويلة والمؤلمة التي خاضتها هذه العائلات قبل أن يتمكنوا أخيراً من دفن أحبائهم بكرامة.
بينما كنت أتجول في المدرسة، لفتت انتباهي تفاصيل عدة. كانت الفصول الدراسية بسيطة ومتهالكة، لكنها تعج بالطلاب المتحمسين. صُنعت المكاتب من منصات خشبية كانت تُستخدم لنقل المساعدات الإنسانية، محولةً مواد مرتبطة بالبقاء إلى رمز للأمل. أكثر ما أثر فيّ هو الطلاب. فرغم الدمار والغموض الذي يُخيّم على حياتهم، كانوا يصلون كل يوم بملابس نظيفة ومرتبة. وسط كل هذه الفوضى، كان تصميمهم على التعلم والحفاظ على شيء من الحياة الطبيعية مُلهماً للغاية.
شاهدت البعض يتابع مباراة كأس العالم بين مصر والأرجنتين، عدتُ إلى سيارتي، وأحضرتُ كاميرتي، وبدأتُ بتوثيق المشهد. بالنسبة لي، ما أراه وأصوره يتجاوز مجرد كرة القدم. إنها تُجسّد لحظة نادرة اجتمع فيها أناس يعيشون ظروفاً قاسية للغاية ليختبروا الفرح والأمل والشعور بالانتماء، ثم، كما هو حال مشجعي كرة القدم في جميع أنحاء العالم، خيبة الأمل.
بالنسبة لسكان غزة مثل حسن، فإن أكبر مخاوفهم الآن هي أن يتوقف العالم عن الاهتمام بهم. لا تزال أجزاء كبيرة من غزة تبدو كما كانت، قد تكون الحرب قد انتهت، لكن المعاناة والظلم اللذين يُكابدهما الفلسطينيون يومياً في غزة لم ينتهيا.
أحمد الصراف

