عبدالعزيز الكندري
تدخل إيران حالياً مرحلة من أصعب المراحل التي مر بها النظام منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، فالحرب مع الولايات المتحدة ، والعقوبات الاقتصادية عليها، وتراجع قيمة العملة، وارتفاع الأسعار، والضغوط الاجتماعية، كلها اجتمعت في وقت واحد على النظام ، وتأثيرها كبير على الشعب.
والاقتصاد الإيراني يواجه أزمة مركبة وليست مجرد أزمة موقتة بسبب الحرب، فوفق أحدث بيانات صندوق النقد الدولي، يُتوقع أن ينكمش الناتج المحلي الإيراني في 2026 بنحو 5.4 %، بينما يبلغ متوسط التضخم المتوقع نحو 68 %، وهذه الأرقام تعني أن المواطن الإيراني يواجه تراجعاً كبيراً في القوة الشرائية، في وقت ترتفع فيه تكاليف الغذاء والسكن والطاقة والخدمات، لدرجة أن الإيرانيين اليوم يبيعون المدخرات من أجل شراء الاحتياجات الأساسية وتوفيرها لأسرهم .
وتزداد الصورة سوءاً مع استمرار العقوبات وتراجع الاستثمارات واضطراب التجارة، كما تشير بيانات مركز الإحصاء الإيراني إلى وصول التضخم على أساس سنوي في يوليو 2026 إلى مستويات مرتفعة جداً، فيما اقترب التضخم بين يوليو 2025 ويوليو 2026 من 88 % بحسب البيانات المنشورة عن المركز.
المشكلة الأخطر هي أن التضخم المرتفع يأتي في الوقت نفسه مع انكماش اقتصادي. أي إن إيران لا تواجه ارتفاع الأسعار فقط، بل تواجه اقتصاداً يتراجع، بينما الأسعار ترتفع والدخول الحقيقية تتآكل. وهذا النوع من الأزمات يمثل ضغطاً مباشراً على شرعية أي نظام سياسي.
والنظام الإيراني ظهر بصورة أكثر توحشاً، أميركا تضرب إيران وهي ترد على ضرب دول الخليج وليس على مصدر النيران، لدرجة أن أكثر من 80 % من الاعتداءات الإيرانية الآثمة كانت تستهدف البنية التحتية لدول الخليج، وقد تروج بعض وسائل الإعلام أن النظام يبدو منتصراً، والحقيقة أن معاناة النظام الإيراني تفوق الوصف، وستظهر هشاشة النظام بعد زوال الحرب، ومواجهة ساعة الحساب والاستحقاقات الداخلية والأزمات الاقتصادية والاحتجاجات ستتزايد مع تأخر صرف الرواتب.
وهناك ثلاثة سيناريوهات رئيسية متوقعة. الأول هو بقاء النظام مع تشدد أكبر، وهو السيناريو الأقرب على المدى القصير، لأن المؤسسات الأمنية والحرس الثوري ما زالت متماسكة، وقد أظهرت الاحتجاجات السابقة أن النظام قادر على استخدام القوة لمنع تحول الاحتجاجات إلى ثورة شاملة.
والسيناريو الثاني هو إعادة تشكيل النظام من الداخل، بحيث يبقى الهيكل السياسي للجمهورية الإسلامية مع زيادة نفوذ المؤسسة العسكرية والأمنية، أو ظهور قيادة جديدة أكثر براغماتية تبحث عن تسوية مع الغرب لتخفيف العقوبات وإنقاذ الاقتصاد.
أما السيناريو الثالث وهو الأقرب فهو انهيار النظام أو سقوط الجمهورية الإسلامية نتيجة اجتماع عوامل عدة، وما اجتمعت في نظام إلا سقط أو تغير، وهي أزمة اقتصادية حادة، مع احتجاجات واسعة يصعب التعامل معها مثل الاحتجاجات السابقة بسبب ارتخاء القبضة الأمنية، مع انقسام داخل النخبة، وتراجع قدرة الأجهزة الأمنية على السيطرة .
وهناك أوجه تشابه كبيرة مع الاتحاد السوفياتي في سنواته الأخيرة، اقتصاد يعاني من اختلالات عميقة، جهاز أمني قوي، أيديولوجيا رسمية، وإنفاق كبير على النفوذ الخارجي، ووجود صراع مستمر مع القوى الإقليمية والدولية، مقابل تراجع القدرة على تلبية التطلعات الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين.
تغيير النظام في ايران من صالح كل دول العالم ودول الخليج بحكم القرب، وسيؤدي إلى قيام دولة إيرانية مستقرة تتخلى عن سياسة تصدير الصراع والتدخل في شؤون دول المنطقة. كما سيكون العالم مستفيداً من تراجع البرنامج النووي والصاروخي الإيراني ونفوذ طهران الإقليمي، والنظام الحالي لا تثق أن تكون معه أسلحة تقليدية فكيف إذا كانت متطورة.
والخاسر الأكبر من استمرار النظام هو المواطن الإيراني، لأن المواطن هو الذي يدفع الثمن الأكبر من تراجع العملة والتضخم وارتفاع الأسعار، والخاسر الثاني هو الاقتصاد العالمي إذا استمرت أزمة مضيق هرمز، فإغلاق أو تعطيل أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يرفع تكاليف النقل والطاقة ويؤثر في التضخم العالمي.

