: آخر تحديث

الديمقراطية تقتل النخب قبل أن تنتخبها

2
2
2

لطالما قيل إن الديمقراطية هي أفضل وسيلة لاختيار القادة، ولكن أحدًا لا يسأل سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو كانت الديمقراطية الحديثة لا تختار أفضل العقول أصلًا؟ ماذا لو كانت تستبعدها قبل أن تصل إلى صندوق الاقتراع؟

المشكلة ليست في التصويت، بل فيما يسبقه، فالناخب لا يرى المرشح كما هو، بل كما تسمح له منظومة الإعلام، ومنصات التواصل، والاستطلاعات، والتمويل، والخوارزميات، والوقت القصير، والضجيج السياسي أن يراه. وبين اللحظة التي يقرر فيها شخص كفء أن يخدم وطنه، واللحظة التي يصل فيها اسمه إلى ورقة الاقتراع، توجد آلة هائلة قد لا تختبر حكمته بقدر ما تختبر قابليته للتسويق.

وهنا يبدأ الموت البطيء للنخب، لم يعد السؤال: من هو الأكثر معرفة؟ بل: من هو الأكثر انتشارًا؟ لم يعد المعيار: من يملك مشروعًا للدولة؟ بل: من يستطيع السيطرة على دورة الأخبار لأربع وعشرين ساعة؟ ولم تعد المناظرة اختبارًا للرؤية، بل اختبارًا للقدرة على إنتاج جملة قصيرة قابلة للانتشار!

إن السياسة الحديثة أصبحت تعيش داخل اقتصاد الانتباه، لا داخل اقتصاد الأفكار، والانتباه لا يكافئ دائمًا الأكثر عمقًا، بل غالبًا يكافئ الأكثر إثارة.

المفكر الذي يحتاج ساعة ليشرح إصلاحًا اقتصاديًا معقدًا، يخسر أمام سياسي يحتاج ثلاثين ثانية ليطلق وعدًا مستحيلًا، والخبير الذي يعترف بتعقيد المشكلة يبدو مترددًا، بينما يظهر الشعبوي واثقًا لأنه يقدم حلولًا بسيطة لمشكلات معقدة!

ولذلك فإن كثيرًا من أصحاب الكفاءة يغادرون المشهد قبل أن تبدأ المنافسة.

ليس لأنهم هُزموا في الانتخابات، بل لأن قواعد اللعبة نفسها لا تكافئ ما يجيدونه.

النخبة الحقيقية لا تُقاس بسرعة الرد، بل بعمق الفهم. ولا تُقاس بعدد المتابعين، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات صحيحة حتى عندما تكون غير شعبية. لكن السياسة المعاصرة تطلب من المرشح أن يكون اقتصاديًا، وخبيرًا عسكريًا، ومتحدثًا بارعًا، ونجمًا إعلاميًا، وصانع محتوى، وممثلًا يجيد لغة الكاميرا، وقادرًا على الرد الفوري على كل حدث، وهكذا يتحول السياسي من رجل دولة إلى مدير حملة دائمة.

إن الديمقراطية في أصل فكرتها تمنح الناس حق الاختيار، لكنها لا تضمن تلقائيًا أن البيئة التي يُمارس فيها هذا الاختيار تُنتج أفضل المرشحين. فإذا كانت الطريق إلى السلطة تمر عبر المال السياسي، أو الشهرة، أو الاستقطاب، أو الخوارزميات التي تكافئ الإثارة، فإن المنافسة قد تستبعد كثيرًا من الكفاءات قبل أن يسمع الناس أسماءها.

التاريخ مليء بعلماء، وقادة إداريين، ومفكرين، ومديري مؤسسات، ربما كانوا قادرين على إدارة دول بكفاءة، لكنهم لم يدخلوا السياسة أصلًا لأنهم أدركوا أن النجاح فيها لم يعد يعتمد فقط على المعرفة، بل على مهارات مختلفة تمامًا، ليس كل من يصلح للحكم يصلح للحملة الانتخابية، وهنا يكمن التناقض!

فقد أصبحت الحملة أهم من المشروع، والصورة أهم من الفكرة، والاستطلاع أهم من القناعة. يبدأ المرشح يومه بمتابعة اتجاهات الرأي العام، وينهيه بقياس أثر تصريحاته على المنصات الرقمية. ومع الوقت، لا يعود يقود الرأي العام، بل يصبح أسيرًا له.

بدل أن يسأل: ما الذي تحتاجه الدولة بعد عشرين عامًا؟

يسأل: ما الذي يريد الجمهور سماعه هذا الأسبوع؟

وهكذا تنتصر السياسة القصيرة على الدولة الطويلة، إن الدولة تُبنى بقرارات قد تكون مكلفة اليوم ومفيدة بعد عقد أو عقدين. أما السياسي الذي يعيش تحت ضغط الانتخابات المتكررة، فقد يجد نفسه مضطرًا إلى تأجيل الإصلاحات المؤلمة، حتى لو كان مقتنعًا بضرورتها، لأن ثمنها الانتخابي مرتفع، فتبدأ دورة جديدة من تأجيل المشكلات، لا حلها.

ولا يعني هذا أن البديل هو إلغاء الديمقراطية أو تهميش إرادة الناس. فالمشكلة ليست في حق المواطنين بالاختيار، بل في البيئة التي تشكل هذا الاختيار. عندما تتحول المنافسة إلى سباق في الشعبية وحدها، يصبح من المشروع أن نسأل: هل نكافئ القدرة على القيادة، أم القدرة على جذب الانتباه؟

ولعل أخطر ما أنتجته المنصات الرقمية أنها جعلت السياسة تعمل بإيقاع الخوارزمية. والخوارزمية لا تهتم بالحكمة، بل بالتفاعل. لا تميز بين فكرة عميقة وشعار غاضب، بل تقيس ما الذي أبقى المستخدم أطول وقت ممكن أمام الشاشة، وبهذه الطريقة، قد تصبح الانفعالات موردًا سياسيًا أكثر قيمة من الأفكار، ولأن الجمهور بشر، فمن الطبيعي أن يتأثر بالخوف، والأمل، والهوية، والغضب، والرموز. لكن مسؤولية النظام السياسي أن يوازن بين نبض الشارع ومتطلبات الدولة، لا أن يجعل أحدهما يبتلع الآخر.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل الديمقراطية جيدة أم سيئة؟

بل: هل تستطيع الديمقراطية في عصر الخوارزميات والضجيج الإعلامي أن تحافظ على قدرتها في اكتشاف النخب، أم أنها ستكتفي باختيار من نجحوا أولًا في كسب معركة الظهور؟

قد يكون مستقبل السياسة معتمدًا على الإجابة عن هذا السؤال. فإذا نجحت المجتمعات في بناء مؤسسات تعليمية وإعلامية وحزبية تفتح الطريق أمام الكفاءات، بقيت الديمقراطية وسيلة لتجديد النخب. أما إذا تُرك المجال لمنطق الشهرة وحده، فقد تتحول الانتخابات إلى المرحلة الأخيرة في عملية بدأ فيها استبعاد أفضل المرشحين منذ وقت طويل.

لذلك ربما لا يكون التحدي الأكبر أمام الديمقراطية هو أن تنتخب القائد الخطأ، بل أن تخسر القائد الصحيح قبل أن يعرف الناس أنه كان موجودًا أصلًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.