"وكأنك يا أبو زيد ما غزيت"
أن يدعم كل من حزب العدالة والتنمية الحاكم، بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان، وحليفه حزب الحركة القومية الذي يرأسه دولت بهجلي، القانون الجديد الذي أقره البرلمان التركي مساء الاثنين 10 آب (أغسطس)، فيما يتعلق بنظم نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحلّه وإعادة دمج عدد من أعضائه في المجتمع التركي، هو شيء طبيعي، ولا يُتوقع منهم غير السعي جاهدًا لإصدار هكذا قانون، أما أن يدعم القانون نفسه حزب المساواة وديمقراطية الشعوب المحسوب على الكرد، فذلك ما يثير الاستغراب، وفوقها احتفاؤه بهكذا خطوة تنهي مصير تنظيم كان يريد الفوز بالأحصنة المجنحة الطائرة في سماء المعمورة بشعاراته المتطرفة، بينما على أرض الواقع، ومع كل الخسائر البشرية والمادية، فلم يحصل في الفصل الأخير من كفاحه على ما يوازي حدوات خيول القرويين.
وحقيقةً، إن مسار هذا التنظيم الارتكاسي يذكرنا بقصة فلاح في منطقة عفرين السورية أراد في زمانه أن ينافس الميسورين من أبناء المنطقة في تعليم الأبناء، حيث كان أولاد الآغوات والعائلات الكبيرة لهم الصدارة وقتذاك في نيل الشهادات العليا، وخاصة الطب، ولكن ما ساعد الفقراء وفتح الطرق أمامهم نحو تحقيق أحلام تدريس أبنائهم في الجامعات والتخرج من كليات الطب هي المنح الخارجية، خاصةً تلك التي كانت تأتي من الاتحاد السوفييتي عبر الحزب الشيوعي السوري والأحزاب ذات الخلفية الاشتراكية.
ومن خلال تلك الكوة جاهد أحد المعترين واستدان من هنا وهناك ورهن بعض أملاكه إلى أن استطاع تأمين منحة لابنه، كي يذهب الطالب إلى الاتحاد السوفييتي ويعود منها بعد سنوات طبيبًا يفتخر به والده ومن خلفه جميع الأقارب والمعارف، ولكن لئلا يفوتنا موضوع المِنَح هاهنا، فهي حقيقةً كانت مجانية من الدول الاشتراكية، ولكن وجود الفساد في مجتمعاتنا دفع ببعض الاستغلاليين إلى بيع المنح لمن يحتاجون إليها.
ومرت السنين والفلاح يدفع ضريبة دراسة ابنه الذي سيعود طبيبًا، بكونه استدان ورهن أهم حقل من حقول الزيتون مقابل تأمين مال المنحة ومصاريف ابنه خلال سنوات الدراسة، ومضت الأعوام وهو يعاني شظف العيش إلى أن حان موعد عودة ابنه، وكانت العادة في المنطقة وقتذاك أن معظم أبناء القرية كانوا يجتمعون في بيت العائد من بلاد الغربة ليسألوه عن الذي يخطر ببالهم وعن كل ما يتعلق بتلك البلاد، ومن بين الضيوف الذين جاؤوا إلى بيت العائد من سفرته الطويلة رجل قليل الكلام، ولكنه إن تحدث في أمر ما كان لكلامه وقع ومعنى لدى المحيطين به، وبما أنه فطن في التقاط الإشارات وينتبه لكل ما يتفوه به العائد، وإبان الاستماع كالآخرين إلى ملفوظات الضيف، لاحظ بأن محور حديث الطبيب القادم من الغربة هو الثروة الحيوانية، وكيفية الاستثمار في الماشية، وخاصةً ما يتعلق بتربية الأبقار وكمية الإنتاج اليومي للحليب من البقرة الواحدة، وهنا لم يتمالك الرجل الهادئ نفسه، فنطق أخيرًا ووجّه كلامه إلى والد الطبيب الغر قائلاً له: يا فلان، نعرف بأنك وضعت نفسك تحت نير الديون التي استلفتها من هذا وذاك من أجل دراسة ابنك، فبدلاً من كل ذلك، أما كان عليك أن تشتري له بضعة أبقار أو قطيعًا من الخرفان ليرعى بها ويوفر عليك كل ما صرفته لأجله.
وما يقال عن ابن الفلاح المذكور في المثال أعلاه ينسحب على حزب العمال الكردستاني الذي أزهق أرواح عشرات الآلاف من خيرة شباب وبنات الكرد، وتسبب بتدمير آلاف القرى ليس في كردستان تركيا وحدها، إنما تسبب حتى بتهجير الأهالي من عشرات القرى في كردستان العراق، كما كانت عفرين آخر منطقة كردية يتم تهجير سكانها في عام 2018 بسبب طيش قيادة وأنصار ذلك التنظيم، هذا غير القرابين البشرية المقدمة من قِبل كرد سوريا وتركيا وإيران على مدار ما يقارب أربعين سنة، وفي الأخير ظهر بأن الحزب المذكور لا يريد أي شيء مما كان يتبجح به ليل نهار، لذا فإن الخيبة التي جلبها هذا التنظيم وزعيمه تزيد مئات المرات عن خيبة أبو زيد الهلالي، بما أن كل الضحايا البشرية وجميع الخسائر المادية ذهبت أدراج الرياح.
وتبين بأن الشطر الأخير من مسلسل زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان الذي دمر المجتمع الكردي بنضاله الدونكيشوتي هو كمسلسل ابن الفلاح الذي نسي قروض والده، وتناسى تضحيات أسرته التي تحملت الفاقة كرمى أن يعود إليهم طبيبًا، ونسي المشروع الأساسي الذي ذهب لأجله، وصار شغله الشاغل موضوع الثروة الحيوانية، وأوجلان غدا مثل ابن الفلاح، نسي قصة تحرير وتوحيد كردستان، ونسي كيف كان يخوّن أي حزب كردي يكون سقف مطالبه أقل من سقف مطالب حزبه، ونسي آلاف الشهداء والجرحى والقرى المدمرة والمناطق المهجرة، وصار كل حديثه منذ سنتين عن المجتمع الديمقراطي غير الموجود إلا في قاموسه المعتقل، وربما وُجد صدى تلك السفسطة في أقحاف المؤمنين بقداسة منطوق زعيمهم المفدى.

