: آخر تحديث

السعودية الجديدة... وطناً وإنساناً

4
5
5

 

صَحافِياً، من منطلق حِرَفي يُوَثق ولا يجامل، سوف يقال إن هذا المقال أتى متأخراً، من حيث أن موضوع الحَدَث الذي يُعالِجْ، مضى عليه أكثر من أسبوع. قول صحيح تماماً. لن ألجأ إلى ملجأ الدارج على ألسنة عموم الناس، وخواصهم أيضاً، لتبرير تقاعس، أو تكاسل، ذاتيين، فأصدع بالمثل الزاعق: «أن تأتي متأخراً خير من ألا تأتي أبداً»، وهو قول يُساق أحياناً ضمن سياق مقبول، وبقصد تصحيح اعوجاج وقع بلا قصد مُسبَق، أو بغرض إحلال الموقف الصواب محل أكثر من موقف خطأ تكرر وقوعه مرات عدة. هل من مبرر، إذنْ، يجيز التأخر عن تأدية المفروض من واجبات على المرء، أياً كان، بصرف النظر عن اختلاف الهويات، وتباين الثقافات؟ كلا، إنما، وهذا اجتهاد مِهَني من جانبي ولستُ أزعم أنه صحيح تماماً، يمكن القول إن بعض الأحداث الكبرى تُحدِث تأثيراً ذا صدى واسع، يتجاوز إطار الموقع الجغرافي للحدث، إلى البعد العالمي، فتُسمَع ارتداداتٌ له في مختلف بقاع الأرض، مما يجيز للصحافيين، وكُتّاب الرأي، والمتابعين عموماً، العودة للحديث عنه، حتى لو تأخروا بعض الوقت. التوقيع يوم الجمعة الموافق سابع أغسطس الجاري على «إتفاقية مكة للدفاع المشترك»، بين المملكة العربية السعودية، وتركيا، وباكستان، يندرج في قائمة هذا النوع من كبريات الأحداث.

إلى ذلك، كان من الطبيعي أن يسارع عدد من كُتاب الرأي البارزين في العالم عموماً، وليس في بلدان الإتفاقية وحدها فحسب، إلى تناول موضوع «اتفاقية مكة» وتحليل مختلف جوانبها على المستويين الإقليمي، والأوسع عالمياً. لذا، أعترف أنني ليس لديَّ من جديد أضيف هنا، صحافياً، ضمن سياق التحليل السياسي. أما الجانب الذي أتناول، فيما سيلي، فلستُ أدري أيضاً كم هُو مهمٌ لغيري، وهل لفت نظر آخرين، كما حصل معي، أم مَرّ كما يمر كل أمر عادي. باختصار؛ انتبهت خلال متابعتي وقائع مراسم توقيع «اتفاقية مكة» أن مهمة نقل وثائق الاتفاقية بين كل من ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس وزراء باكستان، شهباز شريف، جرى إسنادها إلى ثلاث شابات سعوديات، بدا واضحاً أن كلاً منهن كانت تقف بثبات خلف القادة الثلاثة، ثم تتحرك واثقة لنقل الوثيقة من قائد إلى آخر، للتوقيع عليها. صحيح أن المشهد يبدو عادياً، وليس بالضرورة لافتاً للتظر، إنما ربما تجوز المحاججة أيضاَ أن حضور المرأة السعودية خلال وقائع حدث كبير مثل هذا يشكل دليلاً آخر، يُضاف إلى ما سبقه من دلالات كثيرة تؤكد أن المملكة العربية السعودية قطعت أشواطاً مهمة على طريق التحديث والتجدد.

نعم، صحيح أن المرأة السعودية بدأت مسيرة الانطلاق نحو المستقبل منذ العام الميلادي 1959، عندما أصدر الملك سعود بن عبد العزيز الأمر الملكي الخاص بإلحاق البنات بفصول التعليم في المدارس، ثم إن أخاه وسَلفه، الملك فيصل، حرص شخصياً على التزام الجهات المعنية بالتطبيق، وبذلك فتح كلٌ منهما أمام المرأة السعودية آفاق العلم. وبالتالي يصح القول إن السعودية انطلقت تحقق الكثير لاحقاً، فبلغت مراتب عليا في العلم، وتسلمت مناصب مهمة في الدولة، وفي المؤسسات الإعلامية، وأروقة السلك الدبلوماسي، وجلست في مجلس الشورى، وصعدت إلى الفضاء، ونزلت تنافس في ملاعب كرة القدم، كل ذلك، وغيره كثير، ثابت ومُوّثق، فما اللافت أن للمرأة السعودية حضورَها في أروقة المراسم الرسمية، سواء في مطارات بلدها، أو في قاعات توقيع الاتفاقات، كما اتفاقية مكة؟ الإجابة، باختصار أيضاً، أنه حضور يلفت النظر لأنه يؤكد العزم على الاستمرارية في تجديد المملكة، وطناً وإنساناً، وذلك في حد ذاته مؤشر في غاية الأهمية، يستحق الانتباه إليه مع اقتراب حلول اليوم الوطني السعودي، في الثالث والعشرين من سبتمبر المقبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.