: آخر تحديث

هل ستنافس إيران المستقبل دبي؟

4
6
5

 

برز أخيراً طرح يرى أن صعود دبي ودول الخليج ارتبط إلى حد بعيد بانكفاء إيران عن موقعها الإقليمي منذ عام 1979، وأن عودة إيران مستقرة ومنفتحة على العالم ستعيد مركز الثقل الاقتصادي إلى طهران، وتدفع دبي إلى خسارة جانب كبير من جاذبيتها كونها بديل مؤقت.

قد تبدو الفكرة للوهلة الأولى قابلة للنقاش، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار حجم إيران ومواردها وموقعها وقاعدتها البشرية وإرثها الحضاري، ولكن المشكلة تبدأ عندما تتحول نهضة إيران المفترضة إلى شرط لأفول دبي، ويُختزل ما حققته الإمارات خلال نصف قرن في مجرد فراغ تركته دولة أخرى.

لا خلاف على أن إيران تمتلك مقومات قوة اقتصادية هائلة، وإذا أصبحت يوماً دولة مستقرة، منفتحة اقتصادياً، متصالحة مع محيطها والعالم، فمن الطبيعي أن تستعيد جزءاً من رأس المال والكفاءات والأعمال التي دفعتها العقوبات والقيود وعدم الاستقرار إلى الخارج، لكن هذا هو أيضاً الموضع الذي يحتاج فيه الافتراض الأساسي إلى تدقيق، فانتقال رؤوس الأموال والأعمال إلى دبي لا يعني أن عزلة إيران هي التي صنعت نجاح دبي، كما أن تعثر بيئة اقتصادية في دولة ما لا يصنع تلقائياً مركزاً اقتصادياً ناجحاً في دولة أخرى، وبين الأمرين عامل أكثر أهمية هو قدرة البيئة البديلة على المنافسة والجذب.

الحقيقة، أن دبي لم تبنِ صعودها على انكفاء الآخرين، بل بنت بيئة تستهدف رأس المال والشركات والمواهب، وراكمت بنية تحتية واتصالاً عالمياً وأطراً قانونية وتنظيمية واستقراراً في القواعد، وفي المقابل، عانت اقتصادات إقليمية أخرى، بدرجات متفاوتة، من العقوبات والقيود التنظيمية وتدخل الدولة والبيروقراطية وعدم اليقين السياسي والاقتصادي.

بالتأكيد، أن الفارق هنا ليس فراغاً تركه طرف فملأه طرف آخر، وإنما قدرة نموذج على جذب ما عجزت بيئات أخرى عن جذبه أو الاحتفاظ به، ولو كانت أزمات إيران وعزلتها كافية لتفسير صعود دبي، لكان من المنطقي أن تنتج أزمات المنطقة مراكز اقتصادية مماثلة في جوارها، وهذا لم يحدث، فغياب منافس أو تعثره قد يخلق فرصة، لكنه لا يبني وحده مركزاً عالمياً، وإلا لكان تكرار تجربة دبي أسهل بكثير مما أثبت الواقع.

وهذا يقود إلى خلل آخر في مفهوم البديل المؤقت، فهو يفترض ضمناً أن هناك موقعاً اقتصادياً طبيعياً كانت إيران تشغله، ثم انتقل إلى الخليج بعد عام 1979، ويمكن لطهران استرداده متى تغيرت الظروف، لكن المراكز المالية والتجارية لا تنتقل بين الدول كما تنتقل مناطق النفوذ على الخرائط، ولا يوجد حق تاريخي في مركز اقتصادي ينتظر صاحبه القديم حتى يعود.

بلا شك، فإن رأس المال الذي وصل إلى دبي لم يكن يبحث عن وريث لطهران، وإنما عن البيئة الأكثر قدرة على خدمته، ولو لم يجدها هناك، لكانت أمامه مراكز مثل سنغافورة ولندن وهونغ كونغ وغيرها من المدن التي تتنافس عالمياً على الأموال والشركات والكفاءات، وهذه نقطة جوهرية، لأن منافسة دبي منذ البداية لم تكن مع إيران وحدها، وإنما مع شبكة من المدن العالمية التي تسعى إلى أداء الوظائف نفسها أو أجزاء منها.

وما راكمته دبي في هذه المنافسة لم يعد مجرد أفضلية ظرفية، بل تحول إلى شبكة يمكن قياس حجمها، ففي عام 2025 مر عبر مطار دبي الدولي 95.2 مليون مسافر، وهو أعلى رقم سنوي في تاريخ المطار، وفق بيانات مطارات دبي، وتجاوز عدد الشركات النشطة المسجلة في مركز دبي المالي العالمي عشرة آلاف شركة بنهاية النصف الأول من عام 2026، فيما يرتبط ميناء جبل علي بأكثر من 150 ميناء حول العالم، هذه الأرقام لا تعكس مجرد ضخامة في الأصول، وإنما شبكة تتداخل فيها حركة البشر ورأس المال والتجارة والخدمات.

وهذه الشبكة هي ما يصعب استنساخه، فالمستثمر ينظر إلى الفرصة والمخاطر واستقرار القواعد وحماية العقود وإمكانية حركة رأس المال والوصول إلى الموردين والعملاء والكفاءات، والشركات لا تنقل مراكز أعمالها بمجرد ظهور سوق واعدة، لأنها تعمل داخل منظومات من العلاقات والخدمات والثقة تراكمت عبر سنوات، والتاريخ مهم، لكن المستقبل لا يوزع حصصه وفق أعمار الحضارات.

وفي حالة إيران تحديداً، إذا تغيرت الظروف السياسية جذرياً، فلن تستيقظ طهران في الصباح التالي مركزاً مالياً عالمياً، فإعادة دمج اقتصاد كبير خضع لعقوبات وقيود طويلة ستتطلب إصلاح القطاع المصرفي، واستقرار العملة، وحماية الاستثمار، وإعادة بناء الثقة الدولية، إن الإمكانات الإيرانية هائلة، لكن تحويلها إلى قوة اقتصادية مستقرة يحتاج إلى زمن وسياسات ومؤسسات.

وهنا تظهر المفارقة التي تغيب عن معادلة إيران أو دبي، فقد تكون إيران المستقبل، المنفتحة والمزدهرة واحدة من أكبر الفرص الاقتصادية لدبي نفسها.

بلا شك، فإن دخول اقتصاد إيراني كبير مجدداً إلى الأسواق العالمية سيخلق طلباً واسعاً على التمويل والتأمين والطيران والموانئ والاستشارات والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية، وستحتاج شركات دولية تريد دخول السوق الإيرانية إلى مراكز إقليمية قريبة تمتلك بالفعل هذه الشبكات، ودبي بحكم موقعها وتراكم علاقاتها التجارية والمالية مرشحة لأن تكون واحدة من أهم هذه البوابات.

لكن المسألة تتجاوز علاقة دبي بإيران إلى تصور أوسع لشكل المنطقة نفسها، فالشرق الأوسط، إذا نجح في تجاوز صراعاته، مرشح لتعدد المراكز الاقتصادية أكثر من خضوعه لمركز واحد، فالرياض توسع ثقلها الاقتصادي، وأبوظبي تبني مواقع متقدمة في الاستثمار والتكنولوجيا، ودبي رسخت وظائف عالمية، وإيران قادرة في ظروف مختلفة على إضافة مركز اقتصادي ضخم إلى هذه الخريطة.

المنافسة ستكون شديدة، وهذا طبيعي، وقد تعيد عودة إيران توزيع بعض الاستثمارات والأدوار بالفعل، وإنكار ذلك يضعف أي تحليل جاد، ولكن المنافسة شيء، والاعتقاد بأن إيران ستسترد من دبي موقعاً اقتصادياً يُفترض أنه كان ملكاً لها شيء آخر.

إيران المستقبل ستكون أكثر نجاحاً عندما تجعل المستثمر والموهبة والشركة يختارونها بسبب ما تقدمه من فرصة وثقة وكفاءة، وليس انطلاقاً من تصور أن ازدهار جيرانها كان نتيجة غيابها، والإمارات بدورها لا تحتاج إلى إيران ضعيفة كي تنجح؛ فالدول الواثقة من نماذجها لا تجعل فشل الجار شرطاً لاستمرارها.

وهذا تحديداً ما تقوله تجربة دبي، فهي لم تنتظر أن يمنحها التاريخ مكاناً على الخريطة، وإنما أمضت عقوداً في بناء المكان الذي أراد العالم أن يأتي إليه، فنجاح دبي ومكانتها الاقتصادية ليسا إرثاً إيرانياً انتقل إلى الإمارات بعد عام 1979 حتى تكون عودة إيران استرداداً لهما.

الحقيقة، أن دبي بنت مركزها الخاص عبر عقود من القرارات والسياسات وبناء المؤسسات، وربطته بشبكات التجارة والمال والأعمال العالمية، وإيران تستطيع أن تبني مركزها من جديد، ولديها من الإمكانات ما يجعل نجاحها مصلحة للمنطقة بأكملها، لكن ذلك لا يستوجب تفكيك ما بناه الآخرون.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.