: آخر تحديث

محمد بن سلمان: قائد الرؤية وصانع التحول السعودي

2
2
2

لم يكن التحدي الذي واجهه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، عندما أطلق رؤية السعودية 2030 في عام 2016 أن يجعل دولة غنية أكثر ثراءً. بل كان التحدي أكبر من ذلك بكثير. كان الهدف إعادة صياغة النموذج الاقتصادي للمملكة، وبناء دولة حديثة متنوعة الموارد وقادرة على المنافسة العالمية وصناعة مستقبل لا يعتمد على النفط وحده.

وهنا تكمن فرادة التجربة السعودية.

فالدول لا تُقاس فقط بما تمتلكه من ثروات طبيعية. وإنما تُقاس بقدرتها على تحويل تلك الثروات إلى قوة مستدامة واقتصاد منتج وصناعة متقدمة واستثمار عالمي ومعرفة وتقنية وتأثير سياسي وحضور دولي.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة مشروع الأمير محمد بن سلمان. فهو مشروع لم يكتفِ بإدارة المملكة كما هي. وإنما انطلق لبناء المملكة كما ينبغي أن تكون في العقود القادمة.

من اقتصاد النفط إلى اقتصاد المستقبل

قبل إطلاق رؤية السعودية 2030 كان السؤال الذي يتكرر في الأوساط الاقتصادية العالمية هو: ماذا سيحدث للسعودية إذا تراجعت أسعار النفط أو انخفض الطلب العالمي عليه؟

اليوم تغير السؤال.

أصبح السؤال: إلى أين ستصل السعودية إذا اكتملت مشاريع رؤيتها؟

وهذا التحول في طبيعة السؤال يعكس حجم التحول في صورة المملكة أمام العالم. فالسعودية التي ارتبط اسمها لعقود بالنفط أصبحت اليوم حاضرة في الصناعة والتعدين والسياحة والتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والاستثمار والرياضة والترفيه والمشروعات العملاقة.

لم يتخل الأمير محمد بن سلمان عن قوة النفط. فهذا المورد سيبقى إحدى أهم المزايا الاستراتيجية للمملكة. لكنه عمل على إضافة مصادر أخرى للقوة السعودية.

وهكذا أصبح النفط قاعدة للانطلاق نحو المستقبل وليس سقفًا للطموح.

أرقام تختصر قصة التحول

قد تكون آلاف المشروعات والمبادرات شاهدة على التحول السعودي. لكن بعض الأرقام تختصر قصة كاملة.

لقد تجاوزت مساهمة الأنشطة غير النفطية نصف الاقتصاد السعودي، ووصلت إلى نحو 55 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2025.

هذا الرقم ليس مجرد مؤشر اقتصادي.

إنه تعبير عن تحول استراتيجي في بنية الدولة واقتصادها.

فكل ارتفاع في مساهمة الاقتصاد غير النفطي يعني توسيع قاعدة الإنتاج وتقليل التأثر بتقلبات أسواق الطاقة وخلق وظائف جديدة وفتح قطاعات جديدة أمام المواطن والمستثمر وبناء مصادر دخل مستدامة للأجيال القادمة.

وهنا تتجلى إحدى أهم فلسفات رؤية 2030.

المستقبل لا ينتظر. والمملكة قررت أن تصنع مستقبلها بنفسها.

صندوق الاستثمارات العامة: من إدارة الثروة إلى صناعة الثروة

ولعل قصة صندوق الاستثمارات العامة تختصر جانبًا مهمًا من فكر الأمير محمد بن سلمان الاقتصادي.

لم يعد الصندوق مجرد وعاء يحتفظ بأصول الدولة ويستثمر فوائضها المالية. بل تحول إلى محرك رئيس للاقتصاد الوطني وإلى ذراع استراتيجية لبناء قطاعات جديدة وإطلاق شركات وطنية واستقطاب الاستثمارات والتقنيات والخبرات العالمية.

لقد تجاوزت أصول الصندوق المدارة 900 مليار دولار بنهاية عام 2024. أي ما يزيد على 3.4 تريليون ريال.

لكن الأهم من حجم الأموال هو ما تفعله هذه الأموال.

إنها تدخل في الصناعة والتعدين والسياحة والطيران والسيارات والتقنية والذكاء الاصطناعي والطاقة والخدمات اللوجستية والرياضة والترفيه والتطوير العقاري والمشروعات الكبرى.

إنها تبني شركات.

وتخلق وظائف.

وتستقطب المعرفة.

وتؤسس صناعات.

وتفتح أسواقًا.

وتعيد تدوير الثروة داخل الاقتصاد الوطني.

وهكذا تحولت المعادلة السعودية من دولة تبيع موردًا طبيعيًا وتستثمر عائداته إلى دولة تستخدم عائدات مواردها لبناء موارد جديدة.

وهذه إحدى أعظم أفكار رؤية السعودية 2030.

محمد بن سلمان لم يبنِ مشروعات فقط، بل بنى قطاعات

من الخطأ اختزال رؤية السعودية 2030 في نيوم أو القدية أو الدرعية أو البحر الأحمر أو المصانع أو المطارات أو الفنادق أو المدن الجديدة.

هذه كلها نتائج للرؤية وليست الرؤية نفسها.

الرؤية أعمق من ذلك.

إنها عملية إعادة هندسة شاملة للاقتصاد السعودي.

فالهدف ليس إنشاء فندق، وإنما تأسيس صناعة سياحية عالمية.

وليس إنشاء مصنع، وإنما توطين الصناعة ونقل المعرفة وبناء سلاسل الإمداد.

وليس إقامة بطولة رياضية، وإنما تأسيس اقتصاد رياضي متكامل.

وليس استضافة مؤتمر تقني، وإنما تحويل المملكة إلى مركز عالمي للتقنية والابتكار والذكاء الاصطناعي.

وليس إنشاء شركة وطنية جديدة، وإنما بناء قطاع كامل حولها يخلق الوظائف ويستقطب الاستثمار وينقل المعرفة.

لهذا أذهلت الرؤية العالم.

لأن ما يجري في السعودية ليس مجموعة مشروعات منفصلة.

إنه مشروع دولة متكامل تتحرك جميع مكوناته نحو هدف واحد.

الإنسان السعودي أولًا

أعظم استثمار في رؤية الأمير محمد بن سلمان ليس حجرًا ولا مصنعًا ولا مدينة جديدة.

إنه الإنسان السعودي.

لقد أعادت الرؤية صياغة العلاقة بين المواطن والاقتصاد. وانتقلت بالمجتمع من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة صناعة الفرصة. ومن اعتماد كبير على القطاع الحكومي إلى اقتصاد تتوسع فيه مساحة القطاع الخاص وريادة الأعمال والابتكار.

وتراجعت البطالة بين السعوديين بصورة كبيرة مقارنة ببداية الرؤية. وارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل. وبرز جيل جديد من الشباب السعودي في الإدارة والتقنية والهندسة والصناعة والسياحة وريادة الأعمال والاستثمار.

لقد راهن محمد بن سلمان على حقيقة عظيمة.

ثروة السعودية ليست فقط فيما يوجد تحت أرضها. بل فيما تحمله عقول أبنائها وبناتها من معرفة وإبداع وطموح.

المملكة التي أصبح العالم يأتي إليها

التغيير لم يكن اقتصاديًا فقط.

لقد تغير موقع المملكة في معادلات السياسة والاقتصاد الدوليين.

السعودية عضو في مجموعة العشرين، وتمثل إحدى أهم القوى الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي. وتمتلك ثقلًا استثنائيًا في أسواق الطاقة. وموقعًا جغرافيًا يربط ثلاث قارات. وصندوقًا سياديًا من الأكبر عالميًا. وسوقًا ضخمة. واقتصادًا يتنوع بسرعة.

ولهذا أصبحت الرياض محطة رئيسة للرؤساء ورؤساء الحكومات ووزراء الاقتصاد وقادة الشركات والمستثمرين.

وفي السابق كان السؤال لدى الشركات العالمية: هل ندخل السوق السعودية؟

اليوم أصبح السؤال لدى كثير منها: كيف نحجز مكانًا داخل التحول السعودي؟

وهنا يظهر الفارق بين اقتصاد يبحث عن المستثمر واقتصاد أصبح المستثمر يبحث عن موقع داخله.

محمد بن سلمان واختصار الزمن

ربما يكون أكثر ما يميز تجربة الأمير محمد بن سلمان هو عامل الزمن.

هناك دول احتاج تحولها الاقتصادي والصناعي والاجتماعي إلى عقود طويلة.

أما المملكة فتحاول أن تختصر مسافات زمنية هائلة خلال سنوات محدودة.

ولهذا بدت رؤية 2030 عند إعلانها للبعض شديدة الطموح.

لكن الأمير محمد بن سلمان لم يتعامل مع الطموح بوصفه شعارًا.

لقد حوّله إلى برامج.

وحوّل البرامج إلى مؤشرات.

وحوّل المؤشرات إلى مستهدفات.

وربط المستهدفات بالمساءلة والتنفيذ والوقت.

وهنا ظهر نموذج جديد في الإدارة السعودية يقوم على قياس النتائج وليس الاكتفاء بإعلان الخطط.

ماذا يقول العالم عن محمد بن سلمان؟

العالم يرى اليوم قائدًا شابًا تسلم مسؤولية مشروع تحول تاريخي في واحدة من أهم دول العالم.

ويرى دولة كانت تُعرف أساسًا بقوتها النفطية، فإذا بها تدخل بقوة إلى مجالات الصناعة والتعدين والسياحة والرياضة والترفيه والتقنية والذكاء الاصطناعي والاستثمار والخدمات اللوجستية.

يرى الرياض تتحول إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار والمؤتمرات وصناعة القرار.

ويرى المملكة تستعد لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034.

ويرى صندوقًا سياديًا سعوديًا أصبح لاعبًا عالميًا مؤثرًا.

ويرى شركات دولية تنقل مقراتها الإقليمية إلى الرياض.

ويرى مشروعات عملاقة تعيد رسم الخريطة الاقتصادية والسياحية والعمرانية للمملكة.

ويرى قيادة لا تريد للمملكة أن تكون مجرد متلقٍ للتحولات العالمية.

بل تريدها شريكًا في صناعتها.

من المملكة التي نعرفها إلى المملكة التي سيعرفها المستقبل

ربما كان الإنجاز الأكبر للأمير محمد بن سلمان أنه غيّر السؤال السعودي نفسه.

لم يعد السؤال: كم نملك من النفط؟

بل أصبح: ماذا نستطيع أن نصنع؟

لم يعد السؤال: ماذا نستورد؟

بل: ماذا نستطيع أن نوطن وننتج ونصدر؟

لم يعد السؤال: أين يستثمر العالم؟

بل: كيف نجعل السعودية إحدى أهم وجهاته؟

لم يعد السؤال: ماذا سيحدث بعد النفط؟

بل: ماذا نبني اليوم ليكون لدينا مئة مصدر للقوة غدًا؟

وهذه هي الفلسفة العميقة لرؤية السعودية 2030.

محمد بن سلمان: هندسة المستقبل

إن الإنجاز التاريخي لمحمد بن سلمان قد لا يكون مشروعًا بعينه ولا رقمًا اقتصاديًا مهما بلغ حجمه.

إن إنجازه الأعمق أنه غيّر اتجاه البوصلة السعودية.

نقل التفكير من إدارة الوفرة إلى صناعة الاستدامة.

ومن الاعتماد على مورد واحد إلى بناء اقتصاد متعدد الموارد.

ومن استيراد المنتجات والمعرفة إلى توطين الصناعة والتقنية.

ومن التخطيط وفق احتياجات الحاضر إلى التخطيط لمكان المملكة بعد عشرين وخمسين عامًا.

ومن دولة تمتلك ثروة إلى دولة تصنع الثروة.

لقد أعاد تعريف الطموح الوطني نفسه.

وعندما يحل عام 2030 لن يكون السؤال فقط: كم مشروعًا اكتمل وكم بلغ الناتج المحلي وكم وصلت أصول صندوق الاستثمارات العامة وكم مليون سائح زار المملكة؟

سيكون هناك سؤال أكبر.

كيف استطاعت المملكة العربية السعودية أن تعيد بناء نموذجها الاقتصادي والتنموي والاجتماعي في فترة زمنية قصيرة من عمر الدول؟

وعندما يكتب المؤرخون قصة هذه المرحلة سيجدون اسم محمد بن سلمان بن عبدالعزيز في قلب هذا التحول.

لأن التاريخ لا يخلد القادة الذين أداروا الحاضر فقط.

التاريخ يخلد أولئك الذين استطاعوا رؤية المستقبل قبل أن يصل.

ثم امتلكوا الإرادة والشجاعة ليقودوا أوطانهم إليه.

وهذه هي قصة محمد بن سلمان مع رؤية السعودية 2030.

لم ينتظر المستقبل ليأتي إلى السعودية.

بل جعل السعودية تذهب إلى المستقبل أولًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.