: آخر تحديث
من "الرُّوتين" إلى عَنان السماء

حين أصبح واقعًا ما كان يبدو مستحيلاً

2
3
2

في التاسع من آب (أغسطس) عام 2015، كتبت في صحيفة المدينة مقالًا بعنوان "الروتين"، تحدثت فيه عن بيروقراطية كانت تستنزف وقت المواطن وجهده، من إدارة إلى أخرى، ومن مكتب إلى مكتب، ومن توقيع إلى توقيع.

وكان أمامي آنذاك تقرير عن كفاءة العمل الحكومي في عدد من الدول، فسألت:

لماذا يستطيع الآخرون، ولا نستطيع نحن؟

وأنهيت المقال يومها بسؤال ساخر:

"فهل أنا مصيب لو طالبت برفع مستوى الكفاءة الحكومية ومحاولة اللحاق بجاراتنا الخليجيات، أم تراني قد جئت شيئًا إِمْرًا؟!"

اليوم، بعد أحد عشر عامًا، عدت إلى ذلك المقال وابتسمت، لا لأن ما كتبته كان خطأ، بل لأن الواقع تجاوز ما كنت أطالب به.

من محاولة اللحاق إلى موقع الريادة

في عام 2015، كان أقصى ما أتمناه أن نلحق بمن سبقنا في كفاءة العمل الحكومي. أما اليوم، فلم نعد نتحدث عن مجرد اللحاق.

فقد حققت المملكة المركز الأول إقليميًا في مؤشر نضج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة لعام 2024 بنسبة 96 بالمئة، كما جاءت الرابعة عالميًا في مؤشر الأمم المتحدة للخدمات الرقمية، والأولى إقليميًا والثانية بين دول مجموعة العشرين.

ثم جاءت نتائج مؤشر نضج الحكومة الرقمية لعام 2025 الصادر عن مجموعة البنك الدولي، لتضع المملكة في المركز الثاني عالميًا من بين 197 دولة، بدرجة 99.64 بالمئة.

والمفارقة الأجمل في مسار الصعود نفسه: من المرتبة 49 عالميًا وفق بيانات 2020، إلى الثالثة في 2022، ثم الثانية عالميًا في 2025.

أي أننا لم نكتفِ باللحاق بمن كنت أقارننا بهم عام 2015،

بل أصبحنا نحن موضع المقارنة.

من الملف الأخضر إلى الهاتف

لكن الأرقام ليست القصة كلها.

أتذكر المواطن وهو يحمل ملفه الممتلئ بالأوراق، ويتنقل بين المكاتب بحثًا عن توقيع هنا، وختم هناك، وصورة طبق الأصل من مستند آخر.

ذلك المواطن نفسه يحمل اليوم هاتفًا صغيرًا يستطيع من خلاله إنجاز جانب كبير من معاملاته.

هويته رقمية، ووثائقه رقمية، ومواعيده ومدفوعاته رقمية، وكثير من الخدمات الحكومية تصل إليه أينما كان.

وأصبحت منصات مثل أبشر، وتوكلنا، واعتماد، وقوى، وصحتي جزءًا من الحياة اليومية.

وهنا، في رأيي، تكمن الثورة الحقيقية:

لم ننقل الورقة من المكتب إلى الشاشة فحسب، بل تغيرت فلسفة العلاقة بين المواطن والإدارة.

كان المواطن يذهب إلى الحكومة، أما اليوم، ففي كثير من الخدمات، تأتي الحكومة إليه.

ما الذي حدث؟

كتبت عام 2015:

"المقارنة اليوم لا تتعلق بالمباني والأبراج، بل باعتماد إجراءات لن تكلفنا سوى الخروج من روتين عقيم إلى وسائل أكثر مرونة في العمل."

كنت أظن أنني أطالب بتغيير بعض الإجراءات، ولم أكن أتخيل أنني، بعد أحد عشر عامًا، سأعيش في دولة أصبحت فيها الحكومة الرقمية مشروع دولة، وأصبحت البيانات والذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة جزءًا من منظومة الإدارة العامة.

الذي حدث أكبر من إطلاق تطبيقات.

لقد تغيرت فلسفة الإدارة، وارتفع معها سقف الطموح السعودي.

وجاءت رؤية السعودية 2030 لتتعامل مع التقنية لا باعتبارها زينة للحداثة، بل أداة لرفع كفاءة الدولة وتحسين حياة الإنسان وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والجهاز الحكومي.

من "هل نستطيع؟" إلى "إلى أين نستطيع أن نصل؟"

في عام 2015 كنت أنظر إلى تجارب الآخرين وأسأل:

لماذا لا نصبح مثلهم؟

واليوم لم يعد السؤال نفسه صالحًا.

السؤال الآن:

إلى أين نستطيع أن نصل بعد أن أثبتنا أننا نستطيع؟

وهنا يتجلى المعنى العميق لعبارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء:

"طموحنا عنان السماء".

فالتحول الأعمق الذي صنعته رؤية السعودية 2030 لم يكن في المشروعات والأرقام والمؤسسات وحدها، بل في تغيير فكرة السعودي عن الممكن نفسه.

وأوصلت، خصوصًا إلى الشباب السعودي، رسالة واضحة: أن المستقبل ليس شيئًا ننتظره، بل شيئًا نصنعه، وأن الطموح ليس أمنية، بل إرادة وعمل وقرار وقياس للنتائج.

ولا يعني ذلك أن كل شيء أصبح مثاليًا، أو أن الروتين اختفى تمامًا. فالدول الحية لا تعلن وصولها إلى الكمال، بل كلما حققت إنجازًا رفعت سقف طموحها.

وهنا تكمن المفارقة بين ما كتبته عام 2015 وما أكتبه اليوم:

كنت أكتب مطالبًا بالخروج من الروتين، وأكتب اليوم مطالبًا بألا نتوقف عند النجاح.

وبين المطلبين قصة وطن تغيّر، وجيل اكتشف أن كثيرًا مما قيل له إنه صعب أو بعيد أو مستحيل، لم يكن يحتاج إلا إلى إرادة وقرار وعمل وقيادة رفعت سقف الممكن.

عدت إلى مقال "الروتين" بعد أحد عشر عامًا، فوجدت أن أجمل رد عليه لم أكتبه أنا،

كتبته المملكة على أرض الواقع.

وفي عام 2015 ختمت مقالي بقول باولو كويلو:

"إذا كنت تعتقد أن المغامرة خطرة، فجرّب الروتين، فهو قاتل."

أما اليوم، فتكفيني عبارة تختصر فلسفة مرحلة كاملة:

"طموحنا عنان السماء".

فالسماء لم تعد فوق رؤوسنا فقط،

لقد أصبحت حدود تفكيرنا.

وهذا هو الفارق بين وطن كان يسأل قبل أحد عشر عامًا:

لماذا يستطيع الآخرون ولا نستطيع نحن؟

ووطن يقول اليوم بثقة:

"طموحنا عنان السماء".


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.