: آخر تحديث

اقرأ يا أعمى

3
3
3

هكذا نُودي عليه باحتقار، وعندما (قرأ) الأعمى، بُهت المبصرون، ولم يكن هذا البهت إعجابًا، بل حقدًا وحسدًا، ومن ثم بيّتوا له نية سوء مؤجلة لحين تحين الفرصة لإسكاته، وحانت عندما (كتب) الأعمى، فترصد له عَبَدة الحروف، مع أن الرجل لم يفعل سوى تطبيق مناهج البحث الفلسفية التي تعلمها في أعرق مدارس البحث في العالم، طبقها (الأعمى) على نصوص محض بشرية، فكانت النتائج صادمة لقطيع (المبصرين)، ومن هنا بدأت حملة شرسة على هذا (الأعمى) المتمرد، فقد خشوا أن يحذو حذوه بقية العميان (عميان البصيرة)، وتتشتت قطعانهم ويصبح الرعاة عاطلين، فهيجوا عليه الرعاع لا لشيء سوى أنه فتح كوة صغيرة في جدار صلد لتدخل حزمة ضوء لعلها تفتح بصائرهم المغلقة، أشهروا في وجهه سلاح الزندقة والتكفير، وهو السلاح البتار الناجع الناجح في إرهاب الخصوم والتحريض على قتلهم، لعل أحد تابعيهم يتولى المهمة متطوعًا، كما حدث لاحقًا لتلميذه (النجيب) الذي كافأه العالم بأرفع جائزة في الدنيا، وكافأه المتعصبون بطعنة في رقبته أقعدته بقية عمره.

هذا هو (الأعمى) الذي جدد لنا ذكرى قرينه (الأعمى)، وعرّفنا عليه وعلى فلسفته وعلى أفكاره، هذا هو (الأعمى) الذي قرأ لنا رسالة ابن خلدون، ووضح لنا نحن المبصرين كيف يرقى الإنسان ويرتقي عندما يُعمل عقله في كل مناحي الحياة، هذا هو الأعمى الذي قام بتشريح النصوص، وكشف لنا نحن (المبصرين) كيفية استجلاء الحقيقة واستخلاصها من بين السطور، ولولا قاض ذو ضمير حي لنال مصير أستاذه وقدوته، وأصبح مثله رهين المحبسين، وبالرغم من البراءة بحكم القانون، أدانوه بحكم التخلف والجمود، لكن الرجل صمد في مواجهتهم ولم ينحن، ولكن زاد وعيه بمحيطه الحاقد الناقم، ومجتمع غير سوي وغير مؤهل للولوج إلى عصر العلم والعقل والتدبر والبحث والنقد، فتلك موبقات على مرتكبها أن يُستتاب، ولم يتب العملاق الكفيف، لكنه حرك الماء الراكد من جديد، وأثار الجدل، وأصدر مستقبل الثقافة في مصر، أو بالأحرى مستقبل مصر تعليمًا وثقافة وعلمًا وبحثًا ونقدًا واجتماعًا وسياسة، ومن ثم هبت عليه العواصف رعدية عاتية من كل اتجاه، وكعادته صمد شامخًا ولم ينحن، فقد كان مؤمنًا برسالة الكلمة وقدرتها على تغيير المجتمعات وتبديل مسارها، فقد رأى ذلك رأي العين، رأى حال مجتمعات نهضت من العدم بقوة (إعمال) العقل وانطلقت إلى المستقبل، وعاد إلى وطنه ورأى كيف سُجنت أمة في الماضي بقوة (إهمال) العقل، ولعله الآن يريد أن ينهض من قبره لينادي على كل واحد بصوته الجهوري: اقرأ كيف تتقدم الأمم وكيف تتحضر المجتمعات (اقرأ يا أعمى).


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف