الدول لا تُقاس بما تذكره عن نفسها، بل بما يترسخ في وعي الآخرين عنها دون أن تتكلم.
نعم، الكويت كانت وستبقى من أكبر الداعمين للعمل الإنساني في العالم، وهذه حقيقة لا ينازعها فيها أحد.
لكن الخطورة تبدأ عندما نربط هذا العطاء تلقائياً بأي موقف عدائي، وكأننا نقول للعالم: «كيف تسيئون إلينا ونحن من فعل لكم كذا وكذا؟».
هذا الربط، رغم نبل نواياه، لا يغيّر سلوك الآخرين، لكنه يضعف رسالتنا الأساسية، لأن من يعتاد لغة التذكير الدائم بفضله، يضع نفسه –دون قصد– في موقع من ينتظر المقابل.
سؤال في غاية الأهمية:
هل نحن نريد أن يُحترم تاريخ الكويت الإنساني... أم نريد أن يُستخدم كدرع سياسية؟
الكويت كدولة عليها الا تجعل من إنجازاتها الإنسانية «ملف دفاع»، بل «رصيداً أخلاقياً» ثابتاً لا يُستدعى إلا للفخر، لا للمرافعة.
التحدي الحقيقي لنا، اليوم، ليس في تذكير العالم بما قدمناه من مساعدات واعانات واغاثات، بل في اعادة تعريف حضورنا السياسي.
حضورنا بشكل لا نحتاج إلى التذكير بكل مساعداتنا، بل أن تكون الكويت حاضرة بقوتها وثقلها وهيبتها وقراراتها.
الكويت منذ تأسيس سياستها الخارجية، اختارت أن تكون دولة إنسانية، تمد يدها لكل محتاج، وتغيث المنكوب، وتساهم في إعادة الإعمار، وتدعم الشعوب في أزماتها، بغض النظر عن العرق أو المذهب أو السياسة. وهذا شرف لا ينبغي أن نندم عليه.
بالمقابل، علينا أن ندرك حقيقة السياسة كما هي، لا كما نتمنى أن تكون، فالدول والتنظيمات والحركات السياسية تبني مواقفها على حسابات المصالح والتحالفات والأولويات، لا على المساعدات.
لذلك من الخطأ أن نتوقع أن تتحول المساعدات الإنسانية إلى تأمين سياسي، والدعم المالي والإغاثي ضمانة تمنع الإساءة أو التهديد أو التجاهل.
وقفت الكويت مع شعوب كثيرة في محنها، وقدمت مليارات الدولارات في الإغاثة والتنمية، واحتضنت قضايا عربية وإسلامية بكل صدق، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي لم تتخل عنها يوماً، سياسياً وإنسانياً وإعلامياً وشعبياً.
بعض التصريحات أو المواقف من بعض القيادات أو التنظيمات الفلسطينية، لا تعكس أي تقدير لهذا التاريخ، بل قد تركز على أطراف أخرى تراها أقرب إلى حساباتها العسكرية أو السياسية. وهذه حقائق السياسة، مهما كانت مؤلمة.
المشكلة هنا ليست في أنهم لم يشكروا الكويت، بل إن بعضنا ما زال يعتقد أن العمل الإنساني يجب أن يُترجم تلقائياً إلى مواقف سياسية مؤيدة، بينما التجربة كثيرا ما تثبت العكس، خاصة في عالم المصالح السياسية التي تسود العالم اليوم.
ألم يحن الوقت لأن نعيد تعريف نجاحنا بالكويت، في انه ليس بعدد من يذكر اسمها في الخطب، ولا في قوائم الشكر، ولا في بيانات الامتنان؟
نجاحها الحقيقي أنها أدت واجبها الأخلاقي والإنساني، وحافظت على سمعتها الدولية، دون أن تساوم على مبادئها.
ولنبدأ بسؤال أنفسنا: هل نبني سياساتنا وتوقعاتنا على ما نأمله من الآخرين، أم على ما تفرضه علينا مصلحة الكويت أولاً وأخيراً؟
إقبال الأحمد

