: آخر تحديث

تطبيقات الهم والغم!

3
3
2

ليلى أمين السيف

تطورنا وصرنا نحمل جوالاً. لم نعد نقف في الطوابير ولا نبحث عن الموظف المختص ولا نحمل ملفاً اخضر تحت إبطنا وننتظر دورنا. قالوا لنا إن الزمن تغير، وأن المعاملات لم تعد تحتاج إلى كل ذلك فكل شيء أصبح في متناول اليد وبضغطة زر ينتهى زمن الملفات والطوابير ويهل علينا زمن التقنية.

والجوال ما شاء الله صار دائرة حكومية كاملة، لكن من دون موظف يفْهَمك و يُفهِمك.

تدخل لإنجاز معاملة بسيطة فتكتشف أن عليك أولا أن تمر برحلة سياحية بين ناجز، ونفاذ، وأبشر، وتوكلنا، وغيرها من تطبيقات يحاسبك الله على تضييع وقتك بين ردهاتها ودهاليزها. تدخل من باب فيرسلك إلى باب آخر، ومن الباب الآخر يعيدك إلى الباب الأول حتى تنسى في منتصف الرحلة: ما الذي كنت تريد إنجازه أصلا!!.

لكن، ماذا عن الذين لم يدخلوا عالمنا الإلكتروني أصلا؟ ماذا عن كبار السن ومن لا يعرفون كيف يفتحون تطبيقا أو أين يضعون رمز التحقق؟ هل نقول لهم: تطوروا؟ أم نطلب من الجدة أن تتعلم ناجز ونفاذ وأبشر وتوكلنا وغيرهم، قبل ان تطلب موعدا أو تنجز وكالة؟

نحن الذين نعرف كيف نتعامل مع هذه التطبيقات نقضي الساعات، ونحن ننتقل من تطبيق إلى آخر فما بالك بمن لا يعرف أصلا من أين يبدأ؟

أما تجربتي الشخصية فكانت كافية لإعادة تعريف معنى الصبر. قضيت يومين كاملين أحاول إنجاز أمر بسيط من ناجز إلى نفاذ ومن نفاذ إلى توكلنا، ثم إلى أبشر ثم العودة من جديد، وكأنني في لعبة كراسي موسيقية لكن من دون موسيقى ومن دون كرسي في النهاية.

والغريب أنني لست ممن يجهلون التقنية. أعرف كيف أستخدم التطبيقات وكيفية الدخول والخروج ورفع المستندات وإتمام التحقق والتنقل بين الخيارات. ومع ذلك لم أستطع إنجاز ما أريد. وفي كل مرة أبذل جهدي وأقول هذه المرة ستنجح يأتيني الرد البارد: عذرا لم يتم تقديم طلبك بنجاح. شكرا على العذر لكن ماذا عن الطلب؟

والأغرب أن الموقع وسط كل هذا العناء فاجأني بسؤال عن مدى رضاي عن الخدمة فانبثق لي استبيان مستفزا يقول: أخبرنا عن تجربتك. تضغط عليه بحسن نية فتأتيك المفاجأة: الاستبيان انتهت مدته والمصيبة الأعظم أن هذا الاستبيان موجود في معظم التطبيقات لكن بلا تطبيق..

طيب، إذا كان الاستبيان انتهت مدته فلماذا ما زال ينبثق لي ويطلب مني تعبئته؟ حتى رأينا في سوء الخدمة يريدون معرفته لكن الخدمة نفسها لا تعمل.

وبعد ناجز ونفاذ وابشر وتوكلنا ظننت أنني وصلت إلى النهاية، لكن يبدو أن رحلة التطبيقات كانت تخبئ لي مفاجأة أخرى: تطبيق موثق ذلك الذي يفترض أن يوثق لك ما عجز الباقون عن فعله قرر أن يوثق شيئا آخر تماما: عجزه عن العمل.

تدخل التطبيق بكل ثقة فتكتشف أن نظام الاندرويد لا يعمل معه كما ينبغي، بينما على ايفون الأمور ربما تمشي أفضل نوعا ما. يعني حتى نوع الجوال أصبح جزءاً من شروط إنجاز المعاملة. إذا كان معك ايفون تفضل، أما إذا كنت تحمل اندرويد فكان الله في عونك.

والأجمل انك تجد مستخدما يشتكي من أن التطبيق لا يقبل رمز التوثيق وآخر يشتكي من مشكلة في الأرقام، وثالث يقول إن التطبيق لا يعمل أصلا ومع ذلك التطبيق موجود والناس مطالبون باستخدامه وكأن المشكلة ليست في التطبيق بل فينا نحن الذين نصر على محاولة تشغيله.

وقيل لي: جربي توكلنا فدخلت وقلت لعل الحل هنا. فإذا به يطلب مني رقم صك الوكالة. جميل جدا أنا أحاول إصدار وكالة جديدة فكيف تريدون رقم وكالة لم تصدر بعد؟ هل المطلوب أن اكون قد اأصدرت الوكالة حتى أستطيع إصدارها؟ أم أن الوكالة ايضا لها وكالة نحتاج ان نصدرها اولا؟ وهكذا ضاع من عمري أكثر من عشر ساعات بين أروقة التطبيقات، فلا أنا أنجزت شيئا ولا هم أنجزوا لي شيئا سوى انهم اثبتوا لي ان المعاملة البسيطة يمكن أن تتحول إلى دوام عمل كامل بلا راتب.

والمصيبة أنني أرسل إيميلا طويلا عريضا لكل الجهات المعنية أشرح فيه المشكلة بالتفصيل، وأطلب حلا قبل سفري فتأتيني الاجابة بكل بساطة لابد من عمل توكيل.. ومحلك راوح..

وهنا تساءلت: هل نحن نستخدم التطبيقات ام التطبيقات هي التي تختبر قدرتنا على التحمل؟

وصلنا إلى مرحلة اصبح فيها نجاح المعاملة يعتمد على ثلاثة اشياء: ان تعرف الطريق بين التطبيقات، وان تملك الجوال المناسب، وان يكون التطبيق في مزاج جيد يومها.

وبعد كل هذا يريدون منك ان تقيم تجربتك.

اي تجربة؟ لقد أمضيت يومين فقط حتى أصل إلى التطبيق الذي يفترض أن يساعدني ثم أكتشفت ان علي ان أقنع التطبيق اولا بانه قادر على مساعدتي.

اأصبح المواطن لا ينجز معاملته فقط بل يدخل في مفاوضات طويلة مع التطبيقات حتى تقبل أن تؤدي وظيفتها.

المشكلة أن الوقت بالنسبة للمستخدم ليس رقما في النظام. هناك إنسان خلف الشاشة لديه عمل وموعد وسفر والتزامات، وقد يكون في أمسّ الحاجة إلى انجاز معاملته. وانا كنت على وشك السفر ومع ذلك وجدت نفسي استنزف ساعات من وقتي وجهدي وتركيزي في محاولة فهم ما الذي تريده مني هذه التطبيقات.

نحن لا نكره التقنية، بالعكس نحن نريدها ونحتاجها. لكن التقنية جاءت لتختصر علينا الطريق لا لتجعلنا نحفظ خريطة الطرق كلها.

لا نحتاج إلى عشرات التطبيقات التي تتحدث مع بعضها بطريقة لا نفهمها. نحتاج فقط إلى أن نقول هذا ما أريده فتدلنا المنظومة إلى الطريق الصحيح ثم تنجزه.

لأن المشكلة ليست في ان المواطن لا يعرف استخدام التقنية. المشكلة أن المواطن أصبح مطالبا احيانا بأن يكون مواطنا وموظفا ودعما فنيا ومبرمجا ومحقق هوية في الوقت نفسه.

وفي النهاية، لم يتم إلغاء المعاملات كما كنا نظن، بل تم نقلها من أمام الشبابيك إلى داخل الجوال. والفرق الوحيد أنك في الطابور القديم كنت ترى الناس أمامك وتعرف ان دورك سيأتي، أما هنا فأنت تدور وحدك بين ناجز ونفاذ وابشر وتوكلنا وموثق ولا أحد يخبرك: هل وصلت إلى الدور أم أنك عدت إلى البداية. رب أقم الساعة!!.

** **

- كاتبة يمنية مقيمة في السويد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد