: آخر تحديث

الرياض.. حين تصبح مواصلة البناء رسالة

4
4
3

تغريد إبراهيم الطاسان

في الأوقات المضطربة، تصبح مواصلة العمل موقفًا، ويكتسب انعقاد مؤتمر اقتصادي معنى يتجاوز برنامجه وقاعات اجتماعاته. فحين تفتح الرياض أبوابها لقادة الاستثمار وخبراء الاقتصاد وصنّاع مستقبل الطاقة، وسط ظروف إقليمية ودولية معقدة، فإنها تقدم رسالة عملية عن قدرة الدولة على إدارة التحديات، وحماية مسار التنمية، وإبقاء المستقبل حاضرًا في قرارات اليوم.

هذا المعنى يجسده الحراك الذي تشهده العاصمة خلال أكتوبر الجاري؛ من أعمال الدورة الثانية عشرة لمنتدى الرياض الاقتصادي، التي افتتحها أمير منطقة الرياض نيابة عن خادم الحرمين الشريفين، إلى استضافة مؤتمر البترول العالمي الخامس والعشرين والاجتماعات المصاحبة له، وصولًا إلى النسخة العاشرة من مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار، المقرر انعقادها من 26 إلى 29 أكتوبر تحت شعار «قوة الإرث»، وبرعاية خادم الحرمين الشريفين. إنها لقاءات مختلفة في اختصاصاتها، يجمعها سؤال واحد: كيف نصنع نموًا قادرًا على الاستمرار؟

وتبدو قيمة هذا الحراك أوضح حين ننظر إلى الظروف المحيطة. فالاضطرابات ترفع كلفة القرار، وتجعل المستثمر أكثر تمهلًا، وتدفع بعض المؤسسات إلى تأجيل خططها. وفي مثل هذا المناخ، تحمل مواصلة اللقاء والحوار وبناء الشراكات دلالة اقتصادية؛ إذ تمنح أصحاب الأعمال فرصة لرؤية الواقع عن قرب، وطرح أسئلتهم، وتقدير الفرص والتحديات من خلال التواصل المباشر. والثقة تتكون بهذه الخبرة المتراكمة، وبما يلمسه المستثمر من وضوح وقدرة على التنفيذ.

وتتيح هذه المؤتمرات فرصة مهمة ليعرف العالم كيف تعيش بلادنا وقت الأزمات. فالضيف الذي يأتي إلى الرياض يرى مدينة تمضي في حياتها الطبيعية؛ أعمالًا تُنجز، وأسرًا تمارس يومها كالمعتاد، ومؤسسات تواصل برامجها. وهذه التفاصيل اليومية تحمل معنى عميقًا؛ لأنها تكشف أثر الأمن في حياة الإنسان، وأثر الثقة في انتظام المجتمع، وقدرة الدولة على إدارة الظروف بما يحفظ للناس طمأنينتهم واستمرار أعمالهم.

وما يعبّر عنه كثير من المقيمين والزائرين من شعور بالأمن والأمان في المملكة يستحق أن يصل إلى العالم؛ فهو شهادة نابعة من تجربة معيشة، تكشف جانبًا قد يغيب عن بعض التغطيات التي تختزل المنطقة في أخبار الأزمات ومشاهد التوتر. وحين يحضر المشاركون إلى بلادنا، تتاح لهم فرصة المقارنة بين الصورة التي تلقوها من بعيد والحياة التي يشاهدونها بأنفسهم. وقد يكون يوم يعيشونه هنا أبلغ في تصحيح الصورة من عشرات الرسائل التي نوجهها إليهم.

من هنا، يمكن قراءة استمرار هذه المؤتمرات بوصفه تعبيرًا عن حكمة القيادة السعودية في التعامل مع المتغيرات؛ حكمة تدرك أن حماية الوطن ومواصلة تنميته مسؤوليتان متلازمتان. فالظروف الصعبة تستدعي حسن التدبير، وتستدعي معه المحافظة على حركة الاقتصاد، وعلى قدرة المؤسسات على أداء أعمالها، وعلى طموح المجتمع الذي ينتظر فرصًا جديدة للعمل والإنتاج.

ولكل واحد من هذه اللقاءات وظيفة تكمل الأخرى. فمنتدى الرياض الاقتصادي يقترب من أسئلة التنمية المحلية، ويدرس ما يرفع كفاءة الاقتصاد ويحسن بيئة الأعمال. ويتناول في دورته الحالية موضوعات تشمل قياس أثر التشريعات والسياسات العامة، وتعظيم العوائد الاقتصادية والاجتماعية من استضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034. وهذا توجه يستحق الاهتمام؛ لأن استضافة الأحداث الكبرى تحتاج إلى عمل مبكر يحول حضورها العالمي إلى منفعة ممتدة للاقتصاد والمجتمع.

أما مؤتمر البترول العالمي والاجتماعات الوزارية المصاحبة له، فيضعان الرياض في قلب الحوار حول مستقبل الطاقة؛ بما يتصل بأمن الإمدادات والاستثمار والابتكار والتعاون بين الدول والمؤسسات. وحين تتقاطع هذه الملفات في العاصمة السعودية، تتأكد أهمية دور المملكة في جمع الأطراف حول قضايا تمس حياة الشعوب واستقرار اقتصاداتها. فالطاقة تدخل في كلفة الصناعة والنقل والغذاء، ويصل أثر القرارات المتعلقة بها إلى تفاصيل الحياة اليومية.

وتأتي مبادرة مستقبل الاستثمار لتفتح أفقًا أوسع للعلاقة بين رأس المال والأفكار والتقنية. ويحمل شعار «قوة الإرث» سؤالًا جديرًا بالتأمل: ماذا ستترك استثمارات اليوم للأجيال القادمة؟ فقيمة الاستثمار تتسع حين ينشئ صناعة، وينقل معرفة، ويطور مهارة، ويوفر فرصة يستطيع الإنسان أن يبني عليها حياته. بذلك يصبح الإرث مسؤولية حاضرة في الاختيار، ومعيارًا لجودة ما ننجزه.

ويمتد الأثر الاقتصادي للمؤتمرات إلى خارج قاعاتها؛ إلى الفنادق والنقل والمطاعم والخدمات والتنظيم والإنتاج الإعلامي، وإلى مؤسسات صغيرة تجد في هذا النشاط فرصة للنمو. وقد يبدأ الأثر الأبعد بلقاء بين صاحب مشروع ومستثمر، أو بتعارف بين شركتين، أو بفكرة تتطور لاحقًا إلى شراكة. ولهذا تحتاج هذه المنصات إلى حضور فاعل من رواد الأعمال والمنشآت الوطنية والجامعات والشباب، حتى تتسع دائرة المستفيدين منها.

ويبقى معيار النجاح الأهم هو ما يحدث بعد انتهاء المؤتمر: متابعة الفرص، وتطوير التوصيات، وتحويل التفاهمات إلى أعمال، وقياس ما أضافته إلى الاقتصاد. وكلما امتد هذا الأثر، تعززت قيمة الاستضافة، وأصبحت المؤتمرات جزءًا من حركة إنتاج ومعرفة واستثمار يلمس المجتمع نتائجها.

الرياض، بهذا الحراك، تقدم صورة لوطن يعرف وجهته ويواصل العمل من أجلها. وطن تمنحه حكمة قيادته القدرة على التعامل مع الظروف، وتمنحه رؤيته أسباب التقدم. ومن يأتي إليه يحمل معه معرفة أقرب بحقيقته: بلادًا يعيش الناس فيها يومهم بثقة، وتواصل مؤسساتها البناء، وتستقبل العالم ليشاركها صناعة المستقبل. وتلك رسالة يكتبها الواقع، ويحملها الضيف معه حين يعود.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد