: آخر تحديث

دور الأمريكتين.. المشرق والمظلم

2
2
1

لا حضارة بإمكانها الادعاء بأنها أعطت البشرية أكثر من غيرها، دون أن تأخذ مقابل ذلك الكثير، وتتسبب، غالبا، في مصائب جمة. والحضارات الأكثر عطاء للبشرية:

1 - حضارة بلاد ما بين النهرين، لما قدمته من كتابة وإدارة مبكرة.

2 - اليونان القديمة، لما قدمته من فلسفة ومنطق وفكر سياسي.

3 - روما، لما قدمته من قانون وهندسة وفن الحكم.

4 - الصين، لما حققته من تقدم كبير في الحكم والتكنولوجيا والاختراع.

5 - العصر الذهبي الإسلامي، لما حافظ عليه من علوم وطب ورياضيات وفلك، يونانية قديمة، حيث قام بترجمتها ونشرها، والإضافة لها أحيانا.

ولو نظرنا للعصر الحديث لرأينا أن دولا مثل بريطانيا والدول الأوروبية، والولايات المتحدة، قدمت الكثير للبشرية، لكنها تسببت في الوقت نفسه في خراب ومآس وقتل وتشريد، لا يمكن حصره.

في نص ينسب لطبيب استرالي، يقول:

هناك تقريرٌ نُشر في إحدى الصحف الباكستانية يعرض مكافأةً لمن يقتل أمريكيًا، أيا كان! ما لم يعلمه هؤلاء أن الأمريكي هو في الحقيقة إنكليزي فرنسي إيطالي إيرلندي ألماني أسباني روسي يوناني كندي مكسيكي أفريقي هندي صيني ياباني كوري أسترالي إيراني عربي أفغاني... أو باكستاني. وقد يكون من سكان القارة الأصليين.

كما قد يكون مسيحيًا يهوديًا بوذيًا مسلمًا، وقد تفوق أعدادهم ما في أوطانهم التي قدموا منها، والجميع أحرار في ممارسة شعائرهم، واعتناق أي دين.

يعيش الأمريكي في أكثر الأراضي ازدهارًا في تاريخ العالم. ويُمكن إيجاد جذور هذا الازدهار في إعلان الاستقلال، الذي يُقرّ بحق كل فرد في السعي وراء السعادة. كانت أمريكا، ما قبل ترامب، كريمة مع دول كثيرة، وغالبا دون مقابل. كما يرحب تمثال الحرية، أو كان يرحب، بالمتعبين والفقراء، والمنبوذين والمشردين، الذين عصفت بهم الأقدار، وبينهم من بنوا أمريكا، ومن بنوا برجي التجارة العالمي، مسرح التفجير الإرهابي الذي راح ضحيته الآن، من مواطني 30 دولة وثقافة ولغة مختلفة.

لا صعوبة في قتل أمريكي، فقد فعلها هتلر، وجنرالات اليابان وستالين، وماو تسي تونغ، وعدد من الطغاة، لكن لم يعن ذلك إلا قتل القاتل لنفسه، لأن الأمريكيين ليسوا شعبًا معينًا من مكان معين، بل هم تجسيد لروح الحرية والإنسانية... كما كانت، يوما.

لم يعرف العالم بوجود قارتي أمريكا قبل عام ١٤٩٢، وبالتالي لم يذق قبلها الذرة والبطاطس والطماطم والكاكاو والفانيليا والفلفل الحار والفول السوداني والكسافا والبطاطا الحلوة ومختلف أنواع الفاصوليا، والقرع والأناناس والبابايا والأفوكادو وأنواع التوت. ولم تكن هناك ديوك رومية خارجها ولا مادة القرمز، التي أحدثت ثورة في صناعة النسيج. ولم يكن هناك مطاط، وغير ذلك الكثير.

**

من جانب آخر يتساءل القس الأمريكي لوران ليفينغستون من الكنيسة المركزية في شارلوت، قائلا: هل كانت أمريكا أمة مسيحية؟ أم أن ذلك مجرد خرافة؟

كأمريكيين نحن لسنا أمة مسيحية، ولا نعيش في واحدة. جاء إلينا بشر متدينون ليمارسوا شعائرهم. كان لدينا أعظم دعاة الكتاب المقدس، وبعض من بنوا هذه البلاد كانوا أناسًا متدينين. لكنها لم تكن يومًا أمة مسيحية ولن تكون. فكيف نكون أمة مسيحية ونحن من قتل وشرد 20 مليونًا من السكان الأصليين الذين ما زالوا يعيشون في فقر مدقع. كيف نكون مسيحيين، ونعتقد أن امتلاك العبيد يرضي الله، أو أنه يتوافق مع الكتاب المقدس؟

نحن لم نكتفِ بممارسة استعباد البشر، بل كنا مهووسين به لدرجة أننا خضنا حربًا أهلية بسببه، وفيها لقي 500 ألف أمريكي حتفهم، وهذا يفوق عدد أبنائنا الذين لقوا حتفهم في أي حرب خضناها. فكيف قبل البعض منا فكرة قتل 500 ألف منا، ليصبح بإمكان المنتصر امتلاك الآخرين؟


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد