: آخر تحديث

من مكة.. السعودية تعيد صياغة هندسة السلام الإقليمي

0
0
0

نجاح اتفاق مكة سيتوقف، في النهاية، على دقة تعريف المخاطر، وشفافية آليات اتخاذ القرار، وربط القوة العسكرية بأهداف سياسية قابلة للقياس.. وإذا تمكنت الدول الثلاث من ذلك، فقد يتحول اتفاق مكة إلى نموذج جديد للأمن الإقليمي: شراكة تبني الردع من أجل منع الحرب، وتراكم القوة من أجل توسيع مساحة الدبلوماسية..

لا ينبغي قراءة البيان المشترك الصادر عن اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لاتفاق مكة للدفاع المشترك بوصفه إعلاناً تقليدياً عن تعاون عسكري بين السعودية وتركيا وباكستان. فاجتماع وزراء الخارجية والدفاع وقادة القوات ورؤساء هيئات الأركان في إسطنبول يكشف عن محاولة أكثر طموحاً: تأسيس إطار مؤسسي يجمع بين الثقل السياسي، والقدرة الدفاعية، والقاعدة الصناعية، بهدف التعامل مع بيئة إقليمية أصبحت فيها الأزمات أسرع من قدرة المؤسسات التقليدية على احتوائها.

أهمية هذه الخطوة تبدأ من هوية الدول الثلاث.. المملكة العربية السعودية تمثل مركز ثقل عربي وإسلامي، وقوة اقتصادية ودبلوماسية تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الدولية. تركيا تتمتع بموقع جيوسياسي فريد بين أوروبا والشرق الأوسط وآسيا، إلى جانب خبرة صناعية وعسكرية متقدمة. أما باكستان، فهي قوة نووية ذات ثقل سكاني وعسكري كبير، وخبرة ممتدة في مجالات التدريب والدفاع والأمن الاستراتيجي. جمع هذه القدرات ضمن آلية منتظمة يخلق كتلة تعاون لا تقوم على التشابه الكامل بين أعضائها، بل على تكامل وظائفهم.

لكن القيمة السياسية لاتفاق مكة لا تكمن في تشكيل محور جديد أو إعادة إنتاج منطق الاستقطاب. على العكس، تؤكد لغة البيان أن الهدف هو دعم خفض التصعيد، وضبط النفس، والحلول السلمية للأزمات. وهذه نقطة شديدة الأهمية في تفسير المقاربة السعودية. فالرياض لا تنظر إلى القوة الدفاعية باعتبارها بديلاً عن الدبلوماسية، بل ضمانة لها. السلام الذي لا يستند إلى توازن وقدرة على الردع يظل هشاً، فيما الردع المنفصل عن رؤية سياسية قد يتحول إلى سباق تسلح مفتوح.

من هنا، يمكن وضع الاتفاق ضمن التحول الأوسع في السياسة الخارجية السعودية خلال السنوات الأخيرة. المملكة تتحرك باتجاه دبلوماسية متعددة المسارات: تخفيف التوترات، واستضافة المفاوضات، وتوسيع الشراكات، مع الاستثمار المتزامن في تحديث القدرات العسكرية وتوطين الصناعات الدفاعية. هذه ليست مفارقة، بل تعبير عن فهم واقعي لطبيعة النظام الدولي الجديد، حيث لم تعد الدول قادرة على حماية مصالحها بالاعتماد على التحالفات القديمة وحدها أو على المظلات الخارجية غير المشروطة.

إن إنشاء أمانة عامة مقرها السعودية يمنح الاتفاق بعداً مؤسسياً يتجاوز الاجتماعات الظرفية. كثير من التفاهمات الإقليمية تفقد زخمها بسبب غياب أجهزة المتابعة، وتبدل الأولويات، وعدم وضوح آليات التنفيذ. أما وجود أمانة دائمة، يرأسها في المرحلة الأولى أمين عام من باكستان، فيعكس رغبة في توزيع المسؤوليات ومنح الشراكة طابعاً جماعياً لا يخضع لهيمنة طرف واحد.

كذلك، فإن التركيز على المناورات المشتركة، والتدريب، وتطوير الإنتاج والتقنيات الدفاعية، يشير إلى انتقال التعاون من مستوى التنسيق السياسي إلى بناء قابلية تشغيلية مشتركة. والأهم أن هذا المسار قد يفتح المجال أمام مشروعات دفاعية ذات عائد اقتصادي وتقني، ويعزز سلاسل الإمداد، ويحد من الارتهان لمصدر واحد في التسليح والتكنولوجيا.

مع ذلك، ستواجه المبادرة ثلاثة اختبارات رئيسية.. الأول هو قدرتها على الحفاظ على استقلالها عن التنافسات الدولية الكبرى. والثاني هو منع الخلافات الثنائية أو تباين المواقف تجاه بعض الملفات الإقليمية من تعطيل العمل المؤسسي. أما الاختبار الثالث فهو تحويل مفهوم «الدفاع المشترك» إلى أداة للاستقرار، لا إلى رسالة تهديد أو اصطفاف ضد دول أخرى.

نجاح الاتفاق سيتوقف، في النهاية، على دقة تعريف المخاطر، وشفافية آليات اتخاذ القرار، وربط القوة العسكرية بأهداف سياسية قابلة للقياس. وإذا تمكنت الدول الثلاث من ذلك، فقد يتحول اتفاق مكة إلى نموذج جديد للأمن الإقليمي: شراكة تبني الردع من أجل منع الحرب، وتراكم القوة من أجل توسيع مساحة الدبلوماسية.

في عالم تتراجع فيه اليقينيات، تبدو السعودية كأنها تراهن على معادلة عملية: لا سلام مستداماً من دون قدرة تحميه، ولا قيمة للقوة إن لم تُستخدم لفتح الطريق أمام السلام.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد