: آخر تحديث

(بنت أبوها)

1
2
1

ليلى أمين السيف

لا أدري كيف يمكن للكلمات أن تفي رجلاً لم يكن في حياتي مجرد أب، بل كان جزءاً من كل ما أحببت وكل ما تعلمت وكل ما صرت إليه. كان أبي وكان من الصعب أن تكون كلمة واحدة كافية لرجل كان بالنسبة لي كل ذلك. وهذه وحدها كانت تكفيني وأنا صغيرة. أما اليوم وبعد أن كبرت وعرفت الحياة أكثر صرت كلما تذكرت أبي أقول في نفسي: يا الله كم كنت محظوظة به. وهبني الله أباً لا يشبه الآباء. رجلاً جمع الله له من الخصال ما يجعلني كلما تذكرت تفاصيل حياتي معه أتساءل كيف اجتمعت في رجل واحد: عاشقا في بيته، رحيماً بأبنائه، كريماً مع الناس، أمينا في عمله، واسع العقل، سابقاً لزمنه، لا يبخل بعلم ولا يمنع خيراً.

كان أول صورة للرجل في عيني وأول معنى للأمان في قلبي وأول من علمني من غير درس ولا موعظة أن الحب حنان لا ضعف فيه وقوة لا قسوة فيها وعطاء لا منة معه، وأن الرجولة الحقة ليست في أن يعلو صوت الرجل بل في أن يطمئن من يحبهم إلى جواره ولم أفهم قيمة هذه النعمة كلها وأنا صغيرة.

كان أبي رجلاً إذا أحب، أحب بكامل قلبه وإذا أعطى، أعطى بلا حساب وإذا وثق، منح ثقته كاملة وإذا اختلف، بقي هادئاً رغم كل الاستفزازات. يغضب بصمت، ويحتمل بصمت ولا يرفع صوته، كأن هدوءه كان أبلغ من كل غضب. لم يكن أبي يعاتب أحداً. كان يبتلع ألمه، ويلتمس العذر. كان رحيماً بالناس إلى الحد الذي يجعل إساءتهم إليه لا تغير صورتهم عنده؛ يبحث لهم عن عذر حتى حين لا يجدون هم لأنفسهم عذراً.

في ذلك الزمن، وفي ذلك المجتمع، كانت أمي تُحسد على رجلها. لم يكن الأمر غيرة من مال أو جاه بل من امرأة وجدت رجلاً يعرف كيف يجعلها تشعر أنها محبوبة ومقدرة حتى في أدق تفاصيل حياتها. كان أبي يعرف عطرها الذي تعشقه من (كاريرا) والروج الذي تحبه من (ايف سان لوران) وبودرة الخدود من (لانكوم) ويحرص على أن تكون أشياؤها التي تحبها حاضرة دائماً. وكان يفعل ذلك ببساطة من يعرف زوجته جيداً ويحب أن يراها سعيدة. ولم يكن حب أبي لأمي في الهدايا وحدها؛ كان في طريقته معها، في احترامه لها وفي حرصه أن تكون لها كلمتها وقرارها حتى حين دفعت ثمن بيتها من ذهب كان هو قد أهداها إياه فكتبه باسمها دون تردد وحين استنكر البعض ذلك، قال: «تلك هدية أهديتها لها، فتصرفت فيها بحكمة، وهي حرة في مالها».

أما كأب، فكان لنا أباً يشبه الأمان. كان حاضراً في تفاصيلنا، قريباً من قلوبنا، يعامل أبناءه بمحبة لا ولم يكن يبخل علينا بشيء يستطيع أن يقدمه لكنه لم يكن يدللنا بالمال وحده كان يدلل عقولنا. لم يكن من الآباء الذين يرون أن الابنة عليها أن تسمع، وعلى الأبناء أن ينفذوا أوامر أبيهم. كان يحاورنا، يناقشنا، يسمعنا ويترك لنا مساحة لنقول رأينا حتى لو كان مختلفاً عن رأيه. لم يكن يصرخ. كانت نظرة من عيونه تكفي، لكنها لم تكن نظرة خوف بل نظرة رجل يحب أبناءه ويثق بهم ويتوقع منهم ما يليق بهم.

كان أبي هو الذي أعود إليه، أبي الذي لا أخاف أن أقول له ما في قلبي. أبي الذي أخذني من الجامعة إلى مطعم ليسألني: «هل في القلب ساكن»؟ وذلك حين كنت أرفض أي عريس يتقدم لي. أبي الذي حين استدعوني في الجامعة بسبب رسالة وصلتني من شاب قرأ مقالاً لي في جريدة «الجزيرة»، أعجب بما كتبت، وأراد التقدم لخطبتي، ولم يعرف عنواني، فكتب إلى الجامعة.كان الأمر في ذلك الوقت كبيراً في نظرهم، فاستدعوني، واتصلوا بأبي، وقالوا له أن ابنته تصلها رسائل حب. استمع إليهم أبي، ثم قال لهم بهدوء أن ابنته لم تفعل شيئاً، وأن المقالات التي كانت تُنشر في جريدة «الجزيرة» باسمي ومذيلة بعبارة «جامعة الملك سعود»، كان هو من يرسلها إلى الجريدة بالبريد ثم قال لهم: وما ذنب العنب بما فعله النبيذ؟ وكانت تلك طريقته في حمايتي؛ لم ينكر كتابتي ولم يطلب مني أن أصمت ولم يحول إعجاب شخص بكلماتي إلى عار يلاحقني. كان يعرفني جيداً ويعرف أنني كنت أكتب، وأن ما يصل إلى الجريدة كان بعلمه.

أبي الذي أهداني مؤلفات جرجي زيدان عن التاريخ الإسلامي عندما انتقلت للمرحلة المتوسطة، ثم قال لي ببساطة فيها مغلوطات، حاولي معرفتها وتعالي نتناقش سوياً. لم يكن يريد مني أن اقرأ الكتاب لا قبل ما فيه ولا أن أرفضه لمجرد أن كاتبه أخطأ. كان يريدني أن اقرأ أولاً ثم أفكر ثم أبحث ثم اختلف مع الموضوع لا الكاتب هذا إذا وجدت ما يستحق الاختلاف.

أبي الذي كان يدفع لي ريالاً عن كل بيت من المعلقات أحفظه وكان يسهر معي ليلة الخميس نفكك كلام المحللين عن قضايا كبيرة سياسياً وعالمياً ولا أنسى أنه نصحني أن اقرأ كتاب «اللامنتمي» وعمري عشر سنوات وكأنني لم أكن طفلة، بل إنسانة لها عقل يستحق أن يُسمع.

وحين استغرب البعض سماحه لي بقراءة ألف ليلة وليلة الأصلية في سن مبكرة، كان رده: أنا دوماً معها، أحاورها وأصوب الأخطاء. كان أبي يريد لعقلي أن يكون مصفاة لا مستودعاً؛ يلتقط جوهر المعرفة ويلفظ غثها فلا يسكنه إلا ما يثريه ويرتقي به.كان يخاف من عقل لا يقرأ.

وحين تحدثنا في المدرسة المتوسطة مع معلمتنا عن روايات عبير، فوجئت معلمتي وزميلاتي عندما عرفن أن أبي هو من كان يجلبها لي لكنني كنت قد توقفت عنها قبل أن تُمنع لأنني اكتشفت بنفسي أنها لم تضف لي شيئاً مقارنة بما وجدته في أدبيات نجيب محفوظ والعقاد وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم. لم يحتج أبي إلى أن يمنعني ترك لي مساحة الاكتشاف.و كان يعرف أن العقل الذي يتعلم كيف يميز لا يحتاج إلى وصاية..

ومن أول دروس الحياة العملية التي غرسها أبي في داخلي، أن أضع نفسي مكان الآخر، وأن أراعي حقه كما أراعي حقي، وأن أعرف أن المال العام أمانة وليس مالاً سائباً. وكان يقول لي بالحرف: لو كنت تستخدمين في بيتك منديلاً واحداً لتنظيف نفسك في الحمام فلا تستخدمي أكثر منه في عملك؛ مال مكان العمل ليس سائباً. كان يريدني أن أفهم أن الأمانة ليست فقط ألا نسرق بل ألا نستهين بحقوق الآخرين وألا نأخذ من المال العام أو ممتلكات العمل ما لا نحتاجه، مهما بدا الشيء صغيراً.

هذا هو أبي. لم يكن أبي رجلاً عظيماً داخل بيته فقط، حتى في عمله كان ذلك الرجل الذي يترك وراءه سمعة تسبقه. كان مخلصاً، رحيماً، معطاءً، لا يبخل بعلمه ولا بخبرته ولا بعمله.

كان وكيل وزارة الهجرة في عدن وعمل مع الأمم المتحدة في جمارك ميناء الحديدة، وعرفه أهل العمل هناك وعمل مع أسماء كبيرة في الحديدة مثل الأسودي والأديمي، وكان الجميع يشيد بأمانته ونزاهته.

لم يكن العلم عنده سلعة يحتفظ بها لنفسه ولم تكن الخبرة بالنسبة له باباً يغلقه حتى لا ينافسه أحد.كان يعطي كل ما يعرفه لمن يعرف ولا يعرف. يعلم،يساعد، ويفتح الطريق. وكان هذا أيضاً جزءاً من شخصيته: أن يكون نافعاً. حتى في التجارة كان يرى أبعد مما يرى الآخرون.

أذكر كم حاول مع أناس يعرفهم أن يقنعهم بشراء الاسم التجاري لفيكتوريا سيكريت.كان يرى ما لا يرونه.كان يرى أن الاسم نفسه يمكن أن يصبح مشروعاً هائلاً وأن الفرصة ليست دائماً في السلعة التي أمامك بل في قيمة الاسم الذي يحملها لكنه لم يجد من يقتنع برؤيته في ذلك الوقت. ثم مرت السنوات، وجاء من حصل على العلامة التجارية وأصبح الاسم الذي كان أبي يتحدث عنه بكل تلك الثقة معروفاً في كل مكان. لم يكن أبي يملك كرة بلورية يرى بها المستقبل. كان فقط يملك شيئاً لا يملكه كثيرون. عين ترى أبعد من اللحظة. ولهذا كنت دائماً أشعر أن كلمة «سابق عصره» لا تكفي لوصفه.

وحين أعود اليوم إلى كل تلك التفاصيل، أجد أن أبي لم يربني بالكلمات. رباني بالمشهد.

رايته يحب، فتعلمت معنى الحب. رايته يحترم أمي وأهلها وصحبها، فتعلمت معنى الاحترام. رأيته يعطي من علمه ولا يحتكره، فتعلمت أن المعرفة التي لا تنفع غيرك ناقصة. رأيته نزيهاً في عمله، فتعلمت أن السمعة لا تُبنى بالكلام. رأيته يرى الفرص قبل غيره، فتعلمت إن الإنسان لا يجب أن يعيش داخل حدود زمنه. ورأيته يثق بي، فتعلمت أن أثق بعقلي.

لهذا، حين أقول إنني «بنت أبوها»، فأنا لا أقصد مجرد التشابه. أنا ابنة مدرسة كاملة.

مدرسة رجل علمني أن الرجولة ليست صوتاً مرتفعاً وأن الحب ليس امتلاكاً وأن الأبوة ليست خوفاً وأن العلم ليس شيئاً تخبئه عن الناس وأن النزاهة لا تحتاج إلى جمهور حتى تكون نزاهة.

رحم الله أبي وغفر له. كنت محظوظة به أباً ومحظوظة بما زرعه في داخلي من ثقة وكرامة وحب للمعرفة. وإذا كان الله قد اكرمني بأن أكون بنت رجل عظيم كهذا فقد حباني أيضاً بنعم أخرى لا تقل عظمة. أب عظيم كان أبي، وحباني كذلك بزوج رحيم وابن حنون وبنات قرة عين وعائلة كانت لي في هذه الحياة ستراً من الله وسنداً من فضله ونعمة لا يفي الحمد بحقها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد