: آخر تحديث

أنا لا أتفلسف

2
1
1


نعم، ما ستقرأه ليس فلسفة أو حشو كلام، إنه حقيقة تقودني في كل أزماتي بالحياة.

ليست كل تجربة سلبية نمر بها في حياتنا شرّاً خالصاً، ولا كل أزمة تأتي وتأخذ منا طاقة وأملاً وحماساً هي في الحقيقة كذلك فقط. قد تكون بذرة شيء لا نراه لو أن حياتنا استمرت بهدوئها ورتابتها.

مشكلتنا بشكل عام أن المشكلة عندما تقع نراها بحجمها الكامل، فيما تتضاءل وتتقلّص قدراتنا عند مواجهتها لحلها أو حتى إنهائها.

استحالة أن نرى فقد إنسان عزيز كشيء جميل، أو نسعد بخسارة مادية كبيرة وبشكل مفاجئ، دون تمهيد، لكننا نغفل تماماً لحظتها أن العقل الإنساني يملك قدرات لا نتوقعها، يمكنها أن تعيد المشهد ذاته من زاوية أخرى مدهشة.

لمجرد أن نعيد صياغة سؤالنا لأنفسنا لحظة وقوع أي مشكلة أو أزمة، هذا بالتأكيد سيعيد النظر للمشهد نفسه ومن زاوية أخرى.

ماذا أستطيع أن أصنع بما بقي لي من جهد أو عزم أو قدرة، أو حتى ما تبقّى لي من المال، بعد هذه المصيبة؟

أنا شخصياً غالباً ما أستعين بهذا التشبيه لأشرح قناعتي هذه، وهي أن تتخيّل أنك في كهف شديد الظلام، لا ترى جدرانه، ولا تعرف أين نهايته، ثم تلمح في مكان بعيد نقطة ضوء صغيرة جداً.

وهنا تأتي الحكمة أو الخطوة الحكيمة بعد أن تختار ما بين أن تحدّق في كل هذا السواد المحيط بك، أو أن تثبّت عينيك على نقطة صغيرة جداً تسرّبَ من خلالها ضوء جميل.

كما أن السواد حقيقة، فإن نقطة الضوء حقيقة أيضاً، إلا أن الفرق هو: على أيهما قرّرت أن تركّز؟

مع كل دقيقة تركّز فيها على نقطة الضوء، تبدأ بالتحرك نحوها، لأنها ستكبر شيئاً فشيئاً، ثم تكبر أكثر، ثم تكتشف أن ما حسبته نقطة لا تكاد تُرى هي منفذ لمرحلة مررت بها، وهي الكهف المظلم.

وهكذا الحياة.

قد تكون نقطة الضوء في مرضٍ أجبرك على إعادة ترتيب حياتك، أو في خسارة كشفت لك قيمة ما بقي لديك، أو في فشل علّمك ما لم يكن النجاح سيعلمك إياه، أو في خيبة عرّفتك بحقيقة أشخاص، أو في وحدة جعلتك تتعرّف إلى نفسك للمرة الأولى.

ما يذهب من سنوات عمرنا يترك لنا شيئاً لا يُشترى: خبرة الحياة، بحلوها ومرها.

لم أقصد بقولي هذا أن نبتهج ونفرح بالأزمات، لكن ما أعنيه ألا نعطي الأزمة أكثر من حجمها، وألا نسمح لها بأن تأخذ أكثر مما أخذت.

فرق كبير وهائل بين إنسان يسأل نفسه بعد أي أزمة: لماذا حدث لي هذا؟ ويستمر في سؤاله هذا، وإنسان آخر، ما إن يهدأ ألمه، حتى يطرح سؤالاً آخر هو: ماذا أفعل بما حدث؟

وأعتقد أن جزءاً كبيراً من قوتنا في الحياة يبدأ من هنا: ألا نختار دائماً ما يحدث لنا، لكننا نستطيع في كثير من الأحيان أن نختار ماذا نصنع به.

عندما تشتد العتمة، لا تطلب أن يُضاء الكهف كله دفعة واحدة، ابحث فقط عن نقطة الضوء مهما كانت صغيرة، ثم ركّز عليها، وتحرّك نحوها، والأهم من ذلك كله ألا تحتقر أو تستهين بصغرها.


إقبال الأحمد


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد