أحمد المغلوث
عند عودة ابنتي الكبرى من صيفية قصيرة. قضتها مع زوجها وعائلتها الصغيرة. ما بين باريس وروما. أحضرت معها زجاجة عطر ثمينة وحال تسلمي لهديتها أحببت أن أضع رشة خفيفة تحت أذني اليمنى وكذلك تحت شقيقتها اليسرى. قبل ذهابي لصلاة الجمعة. وكالعادة. كنت استقبل في مجلس منزلي بعضا من أفراد أسرتي المقربين جداً. وبعض الأحبة من الأهل والمعارف. وكل العادة كان يصافحني البعض منهم. كوني الأكبر سناً مصافحة وهناك من يقبلني وعندما انفض المجلس. وخرج الجميع وبعد صلاة العصر فوجئت باتصال أحدهم. مقدماً اعتذاره لاتصاله في هذا الوقت الذي يعرف أنه وقت راحتي ولكن خوفاً من أن ينسى رغبته الملحة في الاستفسار عن نوعية العطر الذي مازال أثر رائحته ملتصقة «بخده» حتى هذه الساعة. بل طلب بلطف أن أسارع في تصوير زجاجة العطر الساحرة والمثيرة. التي مازالت رائحته تعبق في خده. حتى هذه اللحظة.. ووعدته خيراً بل أخبرته بأنه أكيد موجود في أسواق المملكة فحسب علمي ولكوني كتبت عدة مرات تقارير مصورة عن عالم العطور الواسع والمثير. هنا في «العزيزة الجزيرة» وحتى في صحف ومجلات أخرى.
والحق أن سوق العطور في المملكة. مثل العطور نفسها تتجدد يوماً بعد يوم نظراً للإقبال الكبير الذي تحظى به هذه التجارة. في وطن مواطنوه رجالا ونساءً يعشقون العطور، ومنذ القدم وكما هو معروف تاريخياً كانت هذه العطور لاتزال حتى هذه الحظة ومنذ الماضي البعيد تحظى باهتمام المرأة فهي بالنسية لها «شكل ثاني» ومن أجلها راح العطارون يبحثون وينقبون عن كل ما يساهم في اكتشاف ما يخدم صناعة العطور أكان من خلال البحث في أفضل النباتات أو الزهور أو حتى التوابل النفاذة التي تساهم في المحافظة على رائحة وأريج أو عبير ما استطاعوا إنتاجه.
والمدهش أن الرجال في العصور الوسطى كانت العطور تحظى باهتمام الرجال أكثر من النساء، بل كتاب التاريخ يشيرون إلى أنه قليل ما يستحمون أهل تلك العصور فيهربون إلى استخدام العطور للتقليل من روائح أجسادهم.. وخلال زيارة لشخصي المتواضع زرت عاصمة العطور الفرنسية «غراس» وشاهدت بأم عيني نماذج لا تعد ولا تحصى من العطور ونماذج من أشهر العطور التي تنتجها هذه المدينة الصغيرة لصالح أشهر شركات العطور في أوروبا خاصة «فرنسا»، والمدهش أن إفرازات أجساد الشعوب تختلف باختلاف الشعوب وربما عاد ذلك لنوعية الأطعمة والبهارات التي تتناولها هذه الشعوب، فمثلاً تجد رائحة «الثوم» الحادة تجدها طاغية في أجساء العديد من أجساد الصينين وكذلك البهارات الخاصة في أطعمة أهل الهند أو باكستان أو البنغال أو حتى إيران وأندونيسيا.. وربما لا يصدق البعض إذا كتبت هنا أن المملكة ودول الخليج ومصر أكثر استيراداً للعطور من فرنسا خاصة ودول أخرى، وفي العقود الأخيرة باتت معامل ومصانع للعطور تنتج في المملكة فمنذ القدم تجد العطور التي تنتج في المملكة خاصة في مكة المكرمة والمدينة المنورة وجدة والأحساء. مثل عطور الورد والعود.. وفي العقود الأخيرة باتت العطور المقلدة وبدقة تنتج في بعض دول آسيا إلا أن الأنوف الخبيرة سرعان ما تكتشف الأصلي من المغشوش...!

