لم تعد إيران تواجه حرباً خارجية فحسب، بل وجدت نفسها أمام أزمة تضغط في الوقت نفسه على الدولة والاقتصاد والمجتمع. فالحرب والحصار والعقوبات وتراجع التجارة وارتفاع الأسعار واستنزاف الموارد تضيّق هامش المناورة أمام القيادة الإيرانية، وتضعها أمام واقع لا يمكن التعامل معه بمنطق المواجهة وحده. ومع اتساع الكلفة على الإيرانيين، يتصاعد داخل النظام نقاش حول الطريقة الأفضل لحماية البلاد ومصالح شعبها: هل يكون ذلك بمواصلة الحرب والتمسك بكل أوراق القوة، أم باستخدام القوة والقدرة على الصمود للوصول إلى تسوية تخفف الحصار وتوقف الاستنزاف وتحفظ لإيران أكبر قدر ممكن من مصالحها؟في قلب هذا النقاش يقف الرئيس مسعود بزشكيان، الذي يحاول الدفاع عن الديبلوماسية باعتبارها أداة من أدوات الدولة، لا دليلاً على الضعف أو الخيانة. وفي المقابل، تتمسّك قوى متشددة، وفي مقدمتها دوائر مرتبطة بالحرس الثوري، بأن أي تفاوض يجب ألا يتحول إلى تنازل يبدد القدرات التي بنتها إيران خلال عقود. وبين الموقفين لا يدور الخلاف فقط حول اتفاق مع الولايات المتحدة، بل حول ما الذي ينبغي أن تعطيه الدولة الأولوية عندما تصبح كلفة الصراع أكبر من قدرتها على تجاهلها.لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذا المعسكر المتشدد لا يتحرك بالضرورة وفق معادلة الرفض المطلق. فطرح محسن رضائي شروطاً لاتفاق محتمل مع الولايات المتحدة يعكس انتقال النقاش إلى مستوى آخر: ليس رفض التفاوض، بل تحديد الشروط التي تجعل التفاوض متوافقاً مع مفهوم القوة الإيرانية. وكذلك فإن حديث محمد باقر قاليباف عن التفاوض من موقع قوة يفتح مساحة بين الحرب المفتوحة والاستسلام، ويؤكد أن الخلاف داخل النظام أكثر تعقيداً من التصنيف التقليدي بين مؤيدين للتفاوض ورافضين له.ويظهر ذلك بوضوح في الملف النووي. فالتخصيب تحول إلى أكثر من برنامج تقني؛ أصبح رمزاً للسيادة والقدرة على الردع بالنسبة إلى التيار المتشدد، بينما ينظر إليه البراغماتيون أيضاً باعتباره ورقة يمكن استخدامها في التفاوض. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط هل ستتخلى إيران عن جزء من قدراتها، بل ما الذي يمكن أن تحصل عليه في المقابل. فإن كان التنازل المحدود قادراً على إنهاء الحرب وتخفيف العقوبات وفتح الاقتصاد، فقد يصبح مقبولاً باعتباره استثماراً للقوة، أما إن لم ينتج سوى تنازلات جديدة، فسيُنظر إليه داخل النظام باعتباره خسارة.
إيران تختنق: صراع داخل النظام على أفضل طريق للإنقاذ
مواضيع ذات صلة

