: آخر تحديث

من أين تكوّنت ثروة العصامي؟

2
0
1


قرأت بالأمس بيان «النيابة العامة»، المتعلّق بإحالة 71 متهماً إلى محكمة الجنايات، في قضية التلاعب بالحيازات الزراعية، وتذكّرت عشرات البيانات والقرارات المماثلة، التي صدرت في العهد الجديد، وغمرتني فجأة هبةٌ من السعادة، فما بذلته طوال عمري من جهد في صون سمعتي، والحفاظ على كلمتي، نائياً بنفسي عن كل طمعٍ غير مشروع، أو فعلٍ يجافي القانون، لم يضع سُدى، بل أراه كل يوم في الراحة النفسية والأمان اللذين أشعر بهما. فلا شك أن هناك من تلاعبوا في «جنسياتهم»، وغيّروا في بياناتهم، واستغلوا مناصبهم، وكوّنوا أموالهم بطرق غير مشروعة، هؤلاء يضعون اليوم أيديهم، وربما أرجلهم، على قلوبهم، بانتظار من يدق عليهم الباب ليسلمهم قرارات الإحالة إلى النيابة.

هذه الراحة النفسية العميقة، التي أشعر ويشعر بها معي الكثيرون، لم تأتِ مصادفة أو عبثاً، بل جاءت نتيجة النأي بالنفس عن كل ما هو غير صحيح، أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً، ومن واقع تجربة تمتد من عام 1965، ومستمرة حتى اليوم، ولم تكن يوماً بتلك الصعوبة.

**

كمصرفي وكتاجر وكمقاول وعضو مجلس إدارة بنك وشركات متعددة الأنشطة، داخل الكويت وخارجها، وكمؤسس ورئيس جمعية خيرية فريدة من نوعها، مررت بتجارب وقصص لا تعد، وكنت شاهداً على أحداث تتسم بالكثير من الطرافة والخوف، والخسة والحرمنة، والشهامة والعطف والمودة، يتطلب الأمر بذل جهد كبير في تدوين تفاصيلها، ومنها قصة حرصت، لسنوات على ألا أتطرّق إليها في أي من مقالاتي، بالرغم من غرابتها، وهي من القصص الكلاسيكية، التي تبيّن كيف صنع الكثيرون ثرواتهم الضخمة، التي ما كان من الممكن أن تتحقق، مع أمثالهم بالذات، بطرق مشروعة.

تتلخص قصة «الفرسان الثلاثة» في الطريقة، التي نجحوا فيها في وضع اللبنات الأولى لثرواتهم الضخمة.

الأول مصرفي، من مهام عمله تسهيل عمليات إقراض الغير، خصوصاً إذا كانت مدعومة برهونات جيدة. أما الثاني، فكان موظفاً في وزارة المالية، أما الثالث، وهو «الدينمو»، فقد كان العقل المدبّر للمشروع، وأقلهم مالاً وسمعة، وأكثرهم ذكاءً وتحركاً ومعرفةً بكيف تؤكل «الأكتاف».

تتلخص القصة أو «الخطة الجهنمية» في قيام الأخير باقتراح شراء أرض «استثمارية» معينة في شارع معروف، يتعهد بعدها الثاني بدفع «المقدّم» لشراء الأرض، وتالياً يتقدّم الاثنان للثالث، المدير، بطلب الحصول على قرض يساوي باقي ثمن الأرض، مقابل رهنها لمصلحتهم، يتم كل ذلك بيسر، فالأمور في المصارف، كانت حينها تتم غالباً بتلك الطريقة. يتم الاتفاق، بعد شراء الأرض، على قيام البنك بتمويل عملية البناء بقرض آخر.

ينتهي عمل مخططات وتراخيص البناء في وقت قياسي بطرق معروفة، ويبدأ البناء بعدها فوراً. وعندما يبلغ المبنى مرحلة معينة، يتقدّم الأخير للجهة الحكومية المعنية عارضاً تأجيرها على الدولة، فيتم ذلك مقابل مبلغ إيجار يفوق كثيراً ما هو سائد في السوق.

لوقوع المبنى في منطقة استثمارية/ تجارية معروفة، ولوجود عقد تأجير جاهز ومضمون جهة حكومية، ولكون مبلغ الإيجار مجزياً جداً، يتم بيع العمارة بسعر أعلى بكثير من سعر السوق، وبعدها يتم توزيع الربح المحقق على أطراف الاتفاق.

تكررت هذه العملية مرات عدة، كانت نتيجتها نجاحهم في بناء ثرواتهم، التي أصبحت ضخمة تالياً، ثم يأتون ويتحدثون، والعاملون معهم، عن الشرف والأخلاق.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد