في كل تحول اقتصادي كبير، تنشغل الأسواق عادةً بالأداة الجديدة، بينما يكمن التحول الأعمق في النموذج الذي تولده تلك الأداة. حدث ذلك مع الإنترنت، ثم الهواتف الذكية والحوسبة السحابية، ويحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي. السؤال الذي ينبغي أن يشغل تنفيذي ورائد الأعمال كيف ستكون المنظمة لو بُنيت منذ يومها الأول على افتراض أن الذكاء الاصطناعي جزء من بنيتها الأساسية؟
من هنا يظهر مفهوم المنظمات والشركات الناشئة المبنية على الذكاء الاصطناعي، أو ما يعرف بمسمى (AI-Native Companies) ، وهي تختلف جوهرياً عن المنظمات والشركات التي تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الخدمات المقدمة في مختلف أقسم المنظمة. في المنظمات التقليدية، تدخل التقنية إلى نموذج قائم مسبقاً لتحسينه. أما في الشركة والمنظمات المبنية على الذكاء الاصطناعي، فإن المنتج والعمليات والبيانات وتجربة العميل وطريقة اتخاذ القرار تُصمم منذ البداية حول قدرات الذكاء الاصطناعي. ولو أُزيل الذكاء الاصطناعي منها، فعلى الأرجح سيفقد نموذجها الأساسي القيمة الاقتصادية والتجارية.
هذه النقلة تحمل معنى مهما للقادة ولرواد الأعمال. طوال عقود، كان نمو الشركة مرتبطًا إلى حد كبير بزيادة الموارد. مزيد من العملاء يعني مزيدًا من الموظفين، ومزيداً من العمليات، ومزيداً من التكاليف. الذكاء الاصطناعي يفتح احتمالاً مختلفاً. أن تتوسع القدرة التشغيلية بوتيرة أسرع من توسع الهيكل البشري. فريق صغير يستطيع أن يدير منظومة كانت تحتاج في السابق إلى عدد أكبر من المتخصصين، عندما تتولى الأنظمة الذكية أجزاء من البحث والتحليل والتطوير والعمليات اليومية.
وهنا تكمن الفرصة، كما يكمن الخطر. سهولة بناء المنتجات بالذكاء الاصطناعي تعني أيضاً سهولة تقليدها. وإذا كانت الميزة الوحيدة للشركة هي الوصول إلى نموذج لغوي متاح للجميع، فإن المنافس يستطيع غالباً الوصول إلى النموذج نفسه. لذلك لن تكون التقنية وحدها حصناً تنافسياً كافياً. القيمة الأكثر استدامة ستنشأ من البيانات الخاصة، وفهم المشكلة بعمق، والعلاقة مع العميل، وسرعة التعلم، وتصميم منظومة تتحسن مع كل استخدام من خلال ذاكرة لنظام الذكاء الاصطناعي تحسن الإجراءات ومختلف المهام بشكل مستمر.
الخلاصة: هذه المرحلة لا تتطلب أن يصبح الجميع خبراء في الذكاء الاصطناعي، لكنها تتطلب فهماً لما يغيره في قواعد المنافسة والأداء. ففي لحظات التحول، لا تكون المسافة الأكبر بين من يملك التقنية ومن لا يملكها، وإنما بين من يراها أداة جديدة، ومن يدرك مبكراً أنها تعيد تشكيل معادلة القيمة.

