كُتّاب كبار لاحقوا أحداثاً ساخنة في القرن الماضي، تتجدد اليوم بصورة وأخرى، فشرع القراء يلاحقون كتاباتهم، وينقبون فيها، حتى بعد رحيلهم، لما فيها من جدوى وإنارة للعقول. من بين من يحلو الرجوع إلى مراجعهم المثرية، الراحل الأستاذ أحمد بهاء الدين (11 فبراير/شباط 1927 – 24 أغسطس/آب 1996).
بينما خسر الأدبُ أحمدَ بهاء الدين بوصفه ناقداً، فقد ربحه العالم ناقداً متأملاً ومفكراً خلاقاً وكاتباً صحافياً في مجالات السياسة والثقافة والاجتماع والقانون، بعدما تخرج في كلية الحقوق، حيث خبر ما يتسق مع قوانين العالم والطبيعة وما يخرج عليها، ويخالفها من ممارسات غير قانونية، حتى تمنى الناس أن يكون بين رجال الدولة بمستوى استنارته ونضج تعاطيه مع شتى الشؤون.
منذ 1947 حتى 1990، انتظم قلم بهاء الدين يخط أفكاره المتعقلة لمجلات وصحف القاهرة التي كتب لها، وترأس تحريرها، ومطابع بيروت، ومجلة «العربي» الكويتية، وأخيراً سطر يومياته في أعمدته ويومياته خلال ثمانينات القرن العشرين لدى جرائد «الشرق الأوسط» اللندنية، و«الأهرام» و«المساء» القاهريتين. فضلاً عن محاضراته للنوادي والمحافل العربية ولقاءاته التلفزيونية. وذلك قبل أن تمضي آخر سنين حياته يعاني الجلطة التي أصابته جراء متابعة الغزو العراقي للكويت، حينئذ شل قلمه، وعجز عن مواصلة تقديم نتاجه الذي يستنكر العنف والتطرف، ويأنف عن القذف والإسفاف، ويحترم الرأي الآخر، ويزيده بهاءً.
كثيراً ما انعكس احترامه للرأي الآخر على كتاباته؛ إذ كان يرى «أن منع الرأي المخالف لا يخدم رأيك»، وخلص إلى أن مناقشة الآراء المختلفة «دليل محبة للمجتمع»، فما الخلاف عنده إلا «في الاجتهاد والتقدير».
يندر أن تقرأه أو تراه مخالفاً لأدب الحوار الذي يعد تجاوزه مما «يفسد الحرية». ليس ما «يفسد الحرية» فقط ما جابهه بنقدٍ بنَّاء وأدبٍ جم، بل أيضاً ما يفسد القضية العادلة، ومن يمارس عمله «متواكلاً».
إحساسه المتعاظم بالمسؤولية تجاه ما يؤمن به من قضايا عادلة، دفعه إلى الأخذ بيد أدباء فلسطين، ومنهم محمود درويش (حسب كتاب المتن المجهول للكاتب سيد محمود)، ومناقشة فدائيي فلسطين وغيرهم من الساسة العرب والأجانب... ولصدق إيمانه بقضايا ومبادئ معينة ومراعاته لبعض الشخوص، انتقد وضعها «موضع تقديس لا يجوز التعرض لها أو مناقشتها»، نائياً بنفسه عن الانضمام إلى من وصفهم بـ«الدراويش» الذين يحفل بهم كل تيار.
تبعاً لهذا النضج، لم يُقرأ له قط ما يدعم الإقدام على فعل غير محسوب «الجدوى» ومعدوم «الفائدة». في مقال له بـ«الأهرام» (ديسمبر /كانون الأول 1969) انتقد تبعات حادث «قنبلة أثينا» الذي تبنته جبهة النضال الشعبي، وردت عليه ببيان، ضمّنه إحدى مقالاته، جاء فيه «إن الموافقة على مبدأ يعني ممارسة ما ينطوي عليه من أعمال»، لكنه رد عليهم بالقول: «ليس المعنى ممارسة أي أعمال»، وسجل «شرطاً صريحاً جداً، وبديهياً يقترن بكل مبدأ ونضال، هو (الفائدة) أو (الجدوى)».
في هذا الصدد يضيف أحمد بهاء الدين أنه «يجب ألا يتوقف البحث عند (الحق)، ولكن يجب أن ينصب أيضاً على (الجدوى)، فالحق يظل بعيداً عن متناول اليد حتى نتوصل إليه بالوسائل الصحيحة». ومع تحديده لطبيعة المعركة في الشرق الأوسط بأنها «حضارية» يصر على وجوب خوضها بشكل مختلف عن «(هَبّات) أو (انفعالات) سرعان ما تنطفئ»... وتغذية الرأي العام بالحقائق والمعلومات لا الأباطيل والشعارات.
التحديد الواضح لطبيعة المعركة، واتباع أكثر السبل نفعاً للقضية العادلة، يكشف جوهر إدراك الجدوى. هل هذا واقعنا اليوم؟ نأمل ذلك، وفي سبيله نعمل.

