ربما لن نعرف الحجم الحقيقي لخسائر هذه الحرب إلا بعد انتهائها، وعودة النفط والغاز والتجارة والطيران وسلاسل الإمداد إلى مستوياتها الطبيعية.. لكننا عرفنا خلالها شيئًا آخر ربما يكون أكثر أهمية: حجم القوة التي بنتها دول الخليج لتستطيع امتصاص أزمة بهذا الحجم، من دون أن تتحول الخسائر الاقتصادية إلى أزمة داخلية أو يشعر الناس أن الحياة من حولهم تتوقف!
تخيلوا فقط ما حدث خلال الأشهر الماضية؛ دول خليجية تعطلت أو انخفضت صادراتها من النفط والغاز بصورة حادة، وممر بحري بحجم مضيق هرمز تعرض للاضطراب، وقطاعات الطيران والتجارة والسياحة والبتروكيماويات والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد تحملت فاتورة حرب ثقيلة.. ومع ذلك استمرت الخدمات، والأسواق، والمشروعات، والرواتب، ومؤسسات الدولة، وبقيت الحياة اليومية أقرب إلى طبيعتها مما يمكن توقعه في أزمة بهذا الحجم.
والسؤال هنا: ماذا لو لم تكن هذه دول الخليج؟ ماذا لو تعرضت دول أخرى لانخفاض حاد في أهم مصدر لإيراداتها لأشهر، وفي الوقت نفسه كانت الحرب تدور في محيطها، وممراتها البحرية مضطربة، وطائراتها تغير مساراتها، وتكاليف الشحن والتأمين ترتفع، وسلاسل إمدادها تتعرض للضغط؟ كم دولة تستطيع تحمل كل ذلك من دون أزمة في العملة أو الرواتب أو السلع والخدمات، وربما اضطرابات اقتصادية واجتماعية أكبر؟
من السهل أن نجيب: لأنها دول غنية! لكن المسألة في تقديري أكبر من ذلك بكثير.. فما نراه اليوم هو نتيجة عقود من بناء الاحتياطيات، والصناديق السيادية، والبنية التحتية، والقدرة المالية، وتأمين سلاسل الإمداد، والاستعداد لأسوأ الاحتمالات حتى في سنوات الرخاء.. ولعل السعودية تقدم مثالًا واضحًا؛ فعندما استثمرت منذ سنوات طويلة في مسارات لتصدير النفط تتجاوز مضيق هرمز، عبر خط شرق–غرب إلى ينبع، ربما بدت تلك المشروعات في وقتها مجرد بنية تحتية إضافية، لكنها في ساعة الأزمة أصبحت جزءًا من الأمن الوطني، وخففت من أثر تعطل أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
دول الخليج بالتأكيد دفعت، وستدفع، فاتورة اقتصادية كبيرة لهذه الحرب، والأرقام الحقيقية ربما تكون أكبر مما نعرفه اليوم.. لكن هذه الحرب أكدت لنا مجددا أن الثروة الحقيقية ليست في الموارد، وإنما في الإدارة الرشيدة.

