: آخر تحديث

قبل أن تسألوا الخليج عن عدوّه.. اسألوا طهران عن جارها!

2
0
1

قرأتُ رسالة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي الأخيرة أكثر من مرة، وتوقفت خصوصًا عند دعوته دول الخليج والدول الإسلامية إلى أن تعرف "عدوها الحقيقي"، وأن تتوحد وتتعاون وتدافع عن بعضها بعضًا!

كلام جميل، بل جميل جدًا! حتى إن قارئه، لو لم يعرف شيئًا عن تاريخ المنطقة خلال العقود الماضية، قد يظن أن الرسالة جاءت من دولة لم ترسل صاروخًا، ولم تطلق مسيّرة، ولم تدعم ذراعًا، ولم تتدخل في شؤون جار، ولم تجعل من ساحات عربية ميادين لتصفية حساباتها مع الآخرين!!

وهنا تبدأ المفارقة.

طهران تسأل دول الخليج اليوم: "هل عرفتم عدوكم الحقيقي؟"

والخليج من حقه أن يرد بسؤال أبسط: وهل عرفت طهران جارها الحقيقي؟!

فالجار، قبل أن تطلب منه أن يقف معك، عليك ألا تجعله يخشى ما يأتيه من جهتك، وقبل أن تدعوه إلى "الدفاع المشترك"، لا ترسل إلى سمائه صاروخًا أو مسيّرة بحجة أن هدفك ليس هو، وإنما قاعدة أو منشأة على أرضه!

فالسيادة لا تُجزّأ، ولا يمكن أن تقول لدولة: أنا لا أستهدفك، وإنما أستهدف شيئًا موجودًا داخل حدودك. الصاروخ حين يعبر الحدود لا يحمل معه مذكرة دبلوماسية تشرح حسن النوايا!! والمسيّرة لا تستأذن أهل الأرض قبل أن تدخل سماءهم!

ثم ماذا عن الأذرع؟ ماذا عن سنوات طويلة دفعت فيها دول عربية أثمانًا باهظة لميليشيات وجماعات مسلحة ارتبط اسمها وتمويلها وتسليحها وتدريبها بطهران؟ ماذا عن اليمن ولبنان والعراق وغيرها من الساحات التي أصبح فيها النفوذ الإيراني جزءًا من أزمات الدولة الوطنية؟ هل هذه هي الطريق إلى "الوحدة الإسلامية" التي يدعو إليها المرشد الجديد؟

وللعلم وللتأكيد: نحن لا نعترض على الدعوة، على العكس، ويا ليت إيران تبدأ بها اليوم قبل غد. ودول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، أثبتت مرارًا أنها لا تبحث عن حرب مع إيران، ولا تريد للشعب الإيراني إلا الأمن والاستقرار والازدهار، ولكن لا حياة لمن تنادي.

فإيران جارة، والجغرافيا لا يمكن تغييرها، والشعب الإيراني شعب عريق، ولا ينبغي أن يدفع ثمن سياسات أو مغامرات لا يصنعها عامة الناس. لكن الجوار له حقوق مثلما له واجبات، وأول حقوقه أن ينام جارك آمنًا منك.

أما أن تطلب منه أن يدافع معك عن أمن المنطقة، بينما ظل سنوات يدافع عن أمنه منك وتداعيات سياساتك، فتلك مفارقة يصعب تجاوزها برسالة مهما كانت عباراتها جميلة.

والأغرب أن يُطلب من دول الخليج أن تعرف "عدوها الحقيقي"!!

ودول الخليج، نكررها لسادة إيران، ليست قاصرة سياسيًا حتى يختار لها الآخرون أصدقاءها وأعداءها. لها قياداتها، ومصالحها، وتحالفاتها، وقراءتها للعالم. وهي تعرف أن العلاقات الدولية لا تُبنى على الشعارات، وإنما على المصالح والاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

ولذلك فإن أفضل ما تستطيع القيادة الإيرانية الجديدة أن تفعله ليس أن تقول للخليج مَن عدوّه، بل أن تقول له، بالأفعال لا بالرسائل: نحن جيرانكم، ولن يأتيكم منا ما يخيفكم بعد اليوم.

عندها فقط سيختلف المشهد.

أوقفوا الصواريخ والمسيّرات عن دول الجوار. أكفّوا أيدي الأذرع عن الدول العربية. دعوا اليمن لليمنيين، ولبنان للبنانيين، والعراق للعراقيين. واحترموا سيادة الدول كما تريدون من العالم احترام سيادة إيران.

ثم اجلسوا مع جيرانكم، وستجدون أن الخليج أقرب إلى السلام مما تتصورون.

وأخيرًا، يا سماحة المرشد الجديد، دعوتكم إلى وحدة المسلمين جميلة، والدفاع المشترك أجمل، والدفاع عن فلسطين واجب لا نختلف عليه.

لكن للوحدة باب لا يُفتح بالشعارات، مفتاحه الثقة المتبادلة، والثقة لا تحملها الصواريخ، ولا تصنعها المسيّرات، ولا تحرسها الميليشيات.

فلا تسألوا دول الخليج اليوم: مَن عدوكم الحقيقي؟

ابدأوا بسؤال طهران: كيف نكون جارًا حقيقيًا؟

فإذا صلُح الجوار، ربما لم نعد بحاجة إلى كل هذه الخطب عن الوحدة، لأن الوحدة الحقيقية تبدأ من حدود آمنة، ويد ممدودة للسلام، لا يد تحمل رسالة، وأخرى تطلق صاروخًا ومسيّرة!!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.