ثمة عراقيون غادروا الوطن بحثاً عن مكان أوسع لأحلامهم، لكنهم لم يغادروا العراق من داخلهم. حملوه معهم في حقائب الذاكرة، وفي طريقة التفكير، وفي الإصرار على أن يكون للعلم معنى يتجاوز حدود الوظيفة واللقب والشهادة.
ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ الدكتور مثنى عبد الرزاق، الأكاديمي والإداري العراقي الذي استطاع أن يحوّل تجربته الشخصية في التعليم والإدارة إلى مشروع مؤسساتي امتد من بغداد إلى الخليج، وانتهى به المطاف واحداً من الأسماء العربية التي تركت بصمتها في مسيرة التعليم العالي في دولة الإمارات العربية المتحدة.
لم تبدأ الحكاية من برج جامعي، ولا من مكتب رئيس جامعة. بدأت من بغداد. هناك، في البيئة العراقية التي كانت تنظر إلى التعليم بوصفه طريقاً للارتقاء الاجتماعي وصناعة المستقبل، درس مثنى إدارة الأعمال والمحاسبة في الجامعة المستنصرية، ثم واصل تخصصه في المحاسبة، فحصل على دبلوم الدراسات العليا في محاسبة التكاليف من جامعة بغداد. ولم يكن ذلك سوى الفصل الأول من رحلة ستقوده لاحقاً إلى بريطانيا، حيث حصل على الدكتوراه في المحاسبة الإدارية من جامعة مانشستر. لكن الشهادة، بالنسبة إليه، لم تكن نهاية الطريق. كانت بدايته.
بدأ حياته المهنية في وزارة الري العراقية، ثم انتقل إلى جامعة بغداد، حيث عمل أكثر من خمس سنوات، وتولى خلالها مسؤوليات إدارية وأكاديمية، من بينها منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون المالية. وهنا ربما بدأت تتشكل لديه الفكرة التي سترافقه في ما بعد: أن الجامعة ليست قاعات للمحاضرات فحسب، وأن الإدارة الجامعية ليست مجرد ملفات وأرقام، بل هي في جوهرها صناعة بيئة تستطيع أن تنتج المعرفة وتفتح الطريق أمام الأجيال الجديدة. ثم جاءت الرحلة إلى الخارج.
في عام 1997 انتقل إلى الأردن، ليلتحق بجامعة العلوم التطبيقية، حيث عمل في قسم المحاسبة بكلية إدارة الأعمال، وتولى رئاسة القسم بالوكالة. وبعد عامين، في 1999، انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، نائباً لعميد كلية إدارة الأعمال في جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا. وهنا بدأت صفحة جديدة.
لم يكن مثنى عبد الرزاق ينظر إلى الإمارات بوصفها محطة مهنية عابرة، وإنما رأى فيها فضاءً يمكن أن تتحول فيه الأفكار التعليمية إلى مؤسسات حقيقية. وفي عام 2000، شارك في اقتراح وتأسيس جامعة أبو ظبي، واستمر في مسيرتها خلال سنواتها الأولى، متولياً عدداً من المواقع القيادية والأكاديمية، من بينها رئاسة اللجنة الأكاديمية، وعضوية مجلس الأمناء، ونائب رئيس الجامعة للبحث العلمي، ونائب المستشار للشؤون الإدارية والمالية.
كان الرجل، إذن، ينتقل من إدارة الجامعة إلى صناعة الجامعة. وهذا فرق كبير. فالإداري الذي يدير مؤسسة قائمة يستطيع أن ينجح في تحسين عملها، لكن الذي يشارك في تأسيس مؤسسة جديدة يواجه السؤال الأصعب: كيف تُبنى الجامعة من الصفر؟ ويبدو أن هذا السؤال ظل يرافقه.
ففي عام 2006 جاءت الخطوة الأبرز في مسيرته: تأسيس الجامعة الأمريكية في الإمارات في دبي، وهي الجامعة التي يتولى فيها اليوم منصب الرئيس والرئيس التنفيذي، وعضوية مجلس الأمناء. كانت الفكرة أكبر من إنشاء مبنى جامعي.
كانت محاولة لصناعة نموذج تعليمي يقوم على الانفتاح الدولي، والتخصص، وربط المعرفة بالممارسة، وإعداد الطالب لحياة مهنية لا تكفي فيها الشهادة وحدها. ومنذ انطلاق الجامعة حملت شعاراً يلخص جانباً من فلسفة الرجل: لا شيء مستحيل.
وليس من الصعب أن نقرأ هذا الشعار بوصفه انعكاساً لسيرة صاحبه نفسه. فالعراقي الذي بدأ في بغداد دارساً للمحاسبة، ثم ذهب إلى بريطانيا للحصول على الدكتوراه، وعمل في مؤسسات حكومية وجامعية، وانتقل بين العراق والأردن والإمارات، ثم شارك في تأسيس جامعات، انتهى إلى قيادة جامعة تحمل طموحاً دولياً في واحدة من أكثر البيئات التعليمية تنافساً في المنطقة.
لقد أصبحت الجامعة الأمريكية في الإمارات، التي تأسست عام 2006، جزءاً من المشهد الأكاديمي في دبي، وتقدم برامج دراسية على مستوى البكالوريوس والدراسات العليا، فيما تؤكد رسالتها على الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق والخبرة المهنية والتعاون الأكاديمي الدولي.
لكن صورة مثنى عبد الرزاق لا تكتمل بالحديث عن المناصب وحدها. ففي مسيرته اهتمام واضح بأن تتحول الجامعة إلى فضاء للنقاش العام، لا إلى مؤسسة تمنح الشهادات فقط. شهدت الجامعة خلال سنوات قيادته مؤتمرات وملتقيات تناولت قضايا الأمن، والرعاية الصحية، والمدن الذكية، والابتكار، والبحث العلمي، وغيرها من الموضوعات التي تتقاطع مع تحولات المجتمع والدولة. كما ارتبط اسمه بمبادرات تهدف إلى توسيع دور الجامعة في القضايا الاجتماعية والمعرفية.
ومن المبادرات التي تعكس هذا التوجه تأسيس مركز السلام وحل النزاعات، وإنشاء مركز للمناظرات بهدف تنمية التفكير النقدي لدى الطلبة، فضلاً عن دعم مبادرة المجلس الدولي للمرأة بوصفها تجربة للمشاركة والتمكين والمساواة. وهنا تتضح ملامح شخصية الرجل أكثر.
فالمحاسب الذي بدأ حياته المهنية مع الأرقام، انتهى إلى الاشتغال بالإنسان. والإداري الذي عرف لغة الميزانيات، وجد نفسه معنياً بلغة الأفكار. والأكاديمي الذي حمل الدكتوراه من مانشستر، أصبح اهتمامه الأكبر ليس بالحصول على المعرفة فحسب، وإنما ببناء المؤسسات القادرة على إنتاجها.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسب حضوره الأكاديمي الدولي بُعدًا إضافيًا؛ ففي عام 2026 انتُخب عضوًا في مجلس أمناء الرابطة الجنوبية للكليات والمدارس – لجنة اعتماد الكليات (SACSCOC)، ضمن فئة عام 2027، في عضوية تمتد ثلاث سنوات. ويعكس هذا الاختيار اتساع حضوره وخبرته في قضايا ضمان الجودة والاعتماد الأكاديمي وتطوير التعليم العالي.
ولعل أجمل ما في هذه الرحلة أنها لا تقدم لنا قصة عراقي غادر وطنه واندمج في مكان آخر فحسب، بل تقدم نموذجاً لعراقي استطاع أن يأخذ معه جزءاً من تجربته الأولى، ثم يعيد إنتاجها في فضاء جديد. فبغداد بقيت في سيرته الأولى: الجامعة، المحاسبة، الإدارة، والعمل الأكاديمي. ثم جاءت مانشستر لتمنحه الأدوات العلمية. وجاء الأردن ليمنحه تجربة عربية جديدة. أما الإمارات، فكانت المسرح الذي تحولت فيه الخبرة إلى مشروع مؤسساتي واسع.
وهكذا يمكن النظر إلى تجربة مثنى عبد الرزاق بوصفها واحدة من صور العراقي المبدع في المهجر؛ ذلك العراقي الذي لا يجعل الغربة قطيعة مع الوطن، بل يحولها إلى فرصة أخرى لإثبات أن الكفاءة العراقية قادرة على أن تجد مكانها حين تتوافر لها البيئة التي تسمح لها بالعمل والبناء.
وفي النهاية، ربما لا تختصر مسيرة رجل أكاديمي بعدد الشهادات والمناصب التي حملها، بل بعدد الأبواب التي فتحها أمام الآخرين. ومن هذه الزاوية، تصبح قصة مثنى عبد الرزاق قصة رجل بدأ حياته مع الأرقام، لكنه انتهى إلى بناء مؤسسة كان هدفها الإنسان. وهنا تكمن المفارقة الجميلة في سيرته:
لقد غادر العراق، لكنه لم يغادر فكرة الجامعة التي تعلم فيها؛ بل حملها معه، وراح يبني لها بيتاً جديداً في الإمارات.


