يقف المشهد السياسي الإسرائيلي اليوم على صفيح ساخن، محكومًا لهاجس واحد لا سواه: النجاة الشخصية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. كل استطلاعات الرأي المؤكدة تشير إلى أن الائتلاف الحاكم يترنح نحو حتمية السقوط، وأن الشارع الإسرائيلي، بالرغم من انقساماته العميقة، بدأ يدرك أن تكلفة بقاء هذا الائتلاف باتت باهظة وتهدد كيان الدولة بأسرها. غير أن نتنياهو، الخبير بمناورات حافة الهاوية، لن يستسلم بهدوء للمشهد القضائي والسياسي الذي ينتظره بمجرد فقدان الحصانة.
إن استمرار هذا النظام القائم لا يستند إلى إنجازات استراتيجية أو رؤية وطنية، بل إلى منظومة هندسة سياسية قائمة على المال السياسي الانتهازي والابتزاز الحزبي. لقد تحولت مقدرات الدولة إلى عملة رخيصة لشراء ولاء الأحزاب المتطرفة والصغرى، وتأمين غطاء ائتلافي يحميه من مقصلة المحاكم وتهم الفساد. الأحزاب الدينية والمتشددة لا تهتم بمستقبل إسرائيل بقدر ما تهتم بتدفق الميزانيات وتوسيع مكتسباتها الطائفية، بينما يقف المجتمع الإسرائيلي مأسورًا بيد زعيم يرهن الأمن القومي لمصلحته الخاصة.
لكن السؤال الأهم الذي يفرض نفسه في كواليس صنع القرار هو: كيف سيتعامل نتنياهو مع حتمية السقوط الوشيك؟ السيناريو الأرجح والأكثر خطورة هو الهروب إلى الأمام عبر اختلاق معركة جديدة أو تصعيد أمني مصطنع. فالتاريخ السياسي لنتنياهو يثبت أنه بارع في تحويل وجهة الغضب الشعبي الداخلي نحو الخارج بمجرد اقتراب طوق النجاة من الانفلات. إن افتعال مواجهة كبرى أو إشعال فتيل أزمة أمنية هو الأداة الوحيدة المتبقية لتعطيل الاستحقاقات الانتخابية، وإعلان حالة الطوارئ، وتجميد أصوات المعارضة تحت ذريعة "الاصطفاف الوطني في زمن الحرب".
بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل بالنسبة إلى نتنياهو وطنًا يُدار، بل ورقة ضغط تُحرق. الانتخابات المقبلة، إن جرت في موعدها، ستعني نهاية الحقبة الأطول لرئيس وزراء إسرائيلي وبداية محاكمته الحقيقية. ولهذا السبب تحديدًا، فإن كل يوم إضافي يقضيه في السلطة محفوف بخطر دفع المنطقة نحو الانفجار، فقط ليضمن ألا تنطفئ شمعة سلطته قبل أن يحرق الهيكل على من فيه.


