صحيح أنه غادرنا، لكن طيفه ظل يتسلل إلى غرف الدرس، وخلف الكواليس، وفي عتمة صالة العرض. هناك ظلَّ صوته، ونظرته وحركة يده وجملة قالها ذات يوم ومضى، من غير أن ندرك، ونحن نُصغي إليه، أنها ستظل تكبر في ذاكرتنا حتى تُصبح جزءاً من حياتنا. هكذا. أفكرُّ في أستاذنا الجليل إبراهيم جلال. وحين أستعيده الآن، بعد كل هذه السنوات، لا أراه أولاً مخرجاً كبيراً أو أحد الأسماء المؤسِّسة في تاريخ المسرح العراقي، ولا أستعيده من خلال عروضه وحدها، وإنما أراه ذلك الرجل الذي كان يبدو دائماً كأنه في طريقه إلى مكان ما. كان قلقًا. وكان قلقه أجمل ما فيه. لم يكن يطمئن إلى فكرة استقرت في رأسه، ولا إلى طريقة أثبتت نجاحها، ولا إلى عرض انتهى وتسلل من الخشبة إلى ذاكرة الجمهور. كان دائماً يريد أن يفتح نافذة أخرى. وما إن يعثر على إجابة حتى يبدأ في الشك فيها، كأن الإجابة، بالنسبة إليه، ليست سوى سؤال مؤجل. ربما لهذا كان المسرح عنده أشبه بمختبر. كان يريد أن يجرب، أن يخطئ، أن يعيد، أن يحذف، أن يضيف، أن يقلب الفكرة على وجهها الآخر. وكان يجد متعته الحقيقية في تلك اللحظة التي لا يعرف فيها بعد إلى أين سيصل. لم يكن يحب المسرح الذي يطمئن إليه المتفرج. كان يريد أن يقلقه. أن يحرك شيئاً ساكناً فيه. أن يخُرجه من مقعده، ولو ظل جالساً. كان يرى أن المتفرج لا ينبغي أن يأتي إلى المسرح لكي يأخذ الحكاية جاهزة ثم يعود إلى بيته، وإنما عليه أن يدخل في صراعها، وأن يصبح، بطريقة أو بأخرى، شريكاً في ابتكارها. ولعل هذا ما جعل إبراهيم جلال، بالنسبة إلينا، أكثر من مخرج. كان درساً مفتوحاً. كان يحلم بمهرجان من الضوء في عالم زادت عتمته. ولعل هذا ما جعله بالنسبة إلينا، أكثر من مخرج. كان درساً مفتوحاً. وقبل أن يصبح ذلك المخرج الذي نعرفه، كان إبراهيم ممثلًا. وكان في جسده شيء يلفت النظر. كان أستاذه حقي الشبلي قد التقط موهبته مبكراً، وترك فيه أثراً لا تخطئه العين. منه أخذ أسرار الإلقاء والتلفظ ورشاقة الحركة ودقة التعبير، لكنه لم يبق طويلاً في ظل أستاذه. أخذ ما يستطيع أن يأخذه، ثم خرج يبحث عن نفسه. ولم يكن بحثه متردداً.
ظهر في العديد من الأفلام التي صورّها مخرجون عرب قدموا إلى العراق، مثل «القاهرة بغداد» لأحمد خان، و«عليا وعصام» لأندريه شوتان، و«ليلى في العراق» لأحمد كامل مرسي، إلى جانب أفلام عراقية مثل «شايف خير» و«سنوات العمر» وسواها. لكن شيئاً ما كان يشدّه دائمآ إلى الخشبة. هناك، فوق خشبة المسرح، وجد المساحة التي تتسع لقلقه.

الأستاذ ابراهيم جلال وسط تلامذته
ومع يوسف العاني وفرقة المسرح الفني الحديث، التي أسساها عام 1952، بدأ ذلك الطريق الذي سيطول أكثر مما كان يتوقع أحد. »أغنية التم« ثم »ست دراهم« ثم «آني أمك يا شاكر»، تلك المسرحية التي لم تترك موضوعها داخل المسرح، وإنما خرجت به إلى الشارع وإلى النقاش السياسي والاجتماعي، وأحدثت في وقتها ما يكفي من الدوي لكي نعرف أن المسرح يمكن أن يصبح، أحياناً، أكثر من فرجة.
في تلك السنوات كان إبراهيم قد التحق بمعهد الفنون الجميلة، ثم تولّى رئاسة قسم المسرح فيه. كان يؤمن، مثل أبناء ذلك الجيل، أن المسرح يستطيع أن يفعل شيئاً. لكن ما هو ذلك الشيء؟ ربما ظل يبحث عن الإجابة طوال حياته.
عاد من أمريكا بشهادة الماجستير وأطروحة عن «نظرية التغريب البريختي». لكن إبراهيم لم يعد بريختياً بالمعنى الضيق للكلمة. كان ستانسلافسكيّ أيضاً يسكن في تجربته، وكان يريد أن يعرف ماذا يحدث إذا وضع الرجلين في مواجهة بعضهما. لم يكن يريد أن يختار. كان يريد أن يرى ماذا يمكن أن ينبثق من الاثنين. ومن هنا بدأت مرحلة أخرى. «الطوفان» لعادل كاظم. ومن «الطوفان» بدأ ذلك الحوار الطويل بين المخرج والكاتب، الحوار الذي سيمنح المسرح العراقي أعمالاً لا تزال حاضرة في ذاكرته: «مقامات أبي الورد»، «عقدة حمار»، «المتنبي»، ثم «دائرة الطباشير القوقازية» في إعداد مشترك. لم يكن عادل كاظم بالنسبة إلى إبراهيم مجرد كاتب. كان، في جانب من الأمر، شريكاً في الحلم. كلاهما كان ينظر إلى الواقع فلا يكتفي بما يراه. كانا يريدان ما وراءه. كانا يعرفان أن الحكاية اليومية، مهما بدت صغيرة، قد تخفي وراءها شيئاً أكبر منها. وأن الإنسان الذي نراه اليوم يمكن أن يحمل داخله صورة الإنسان الذي سيأتي غداً. لذلك ذهبا إلى التاريخ والأسطورة والحكاية الشعبية. لم يذهبا إليها هرباً من الواقع. ذهبا ليعودا إليه أكثر عمقاً. وهذا ما جعل عالمهما غريباً ومألوفاً في آن. تراه بعيدًا، ثم تكتشف فجأة أنه يقف إلى جوارك. ولذلك لم يكن العرض ينتهي عند إبراهيم بانتهاءه. كان يظل حياً. يضيف إليه بعد ليلة. يحذف منه بعد أخرى. يغير حركة. يعيد توزيع كتلة الممثلين. ينظر إلى الجملة مرة ثانية. ثم ثالثة. وكان يستطيع، بعد سنوات، أن ينظر إلى عمل سبق أن أخرجه ويقول: أريد أن أخرجه من جديد. كأن العمل الذي انتهى لم يكن قد انتهى. وكأن المخرج الذي وصل إلى آخر الطريق اكتشف فجأة أن الطريق كان يبدأ من هناك. وكان الممثل أكثر من يدفع ثمن هذا القلق. كان إبراهيم صارماً معه. ربما قاسياً أحياناً. لكن قسوته كانت تأتي من إيمانه بأن الممثل يستطيع أن يكون أكثر مما يظن. كان يريد اللغة واضحة وصافية الجرس، سهلة من دون ابتذال، غنية من دون استعراض. وكان يريد من الممثل أن يعرف معنى الحركة قبل أن يتحرك، وأن يعرف معنى الصمت قبل أن يصمت. لم يكن يريد جسداً يتحرك على الخشبة. كان يريد جسداً يفكر. ولهذا لم يكن التغريب عنده حيلة إخراجية. كان طريقة في النظر. في «البيك والسايق»، تلك المعالجة العراقية لمسرحية بريخت «بونتيلا وتابعه ماتي» بعد أن حوّل الشاعر صادق الصائغ الحوار إلى العامية العراقية، كان إبراهيم يشتغل على ما هو أبعد من نقل النص إلى بيئة أخرى. كان يريد أن يجد العراقي نفسه داخل اللعبة، لا أن يرى العراق مرسوماً فوق النص. وكان يستفيد من منهج الميزانسين الرينهارتي، فينظر إلى المجموعة فوق الخشبة كأنها جسد واحد لا أفراداً. كتلة تتحرك. تتنفس. وتقول شيئاً واحداً حتى وهي تتكلم بأصوات متعددة. ومع ذلك كان في عروضه شيء لا يأتي من الكتب. شيء عراقي. مسحة شعبية لا تُلصق بالعرض من الخارج، وإنما تخرج منه كما يخرج الصوت من حنجرة صاحبه. كان يعرف أن المسرح العراقي لن يصبح عراقياً بكثرة المفردات المحلية، ولا بتغيير أسماء الشخصيات، وإنما عندما يجد جسده الخاص. وهنا كان السؤال الذي لم يفارقه: متى يكون لنا مسرحنا؟ أتذكره وهو يقول لنا:» أحسب أننا لا زلنا لم نأتِ بما نحلم به. « كان يقولها ببساطة. لا نبرة أستاذ مدرسة. ولا ادعاء صاحب إنجاز. فقط رجل ينظر إلى المسافة التي قطعها، ثم ينظر إلى المسافة التي لا تزال أمامه. وكان يقول أيضاً: » الاكتشاف، الاكتشاف، مهما بدا بسيطًا، يحمل تميزه الخاص«. هذه الجملة بقيت في ذاكرتي. لأنني أعتقد أن إبراهيم كان يعيشها قبل أن يقولها. كان يرى أن لا شيء صغير إذا اكتُشف للمرة الأولى. وأن الفنان لا تكون قيمته فيما يعرفه فقط، وإنما فيما يستطيع أن يكتشفه. أتذكره وهو يقول لنا: » أحسب أننا لا زلنا لم نأتِ بما نحلم به«. كان يقولها ببساطة، لا بنبرة أستاذ، ولا ادعاء صاحب إنجاز.
في أغسطس (آب) عام 1991 جاءنا الخبر الفاجع. رحل الفنان إبراهيم جلال. هكذا، ببساطة، وصلت الكلمة وماتت معها، في لحظة، أشياء كثيرة لم نكن نعرف أنها كانت معلقة بصوته. كان حينها في الكويت، بعيداً عن العراق، بعيداً عن الخشبة التي أعطاها كل سنوات عمره. وكنت أفكر: أي نهاية هذه لرجل ظل طوال حياته يبحث عن المسرح العراقي؟ ثم قرأت ما كتبه صديقي الفنان فاضل سوداني عن رحيله. سأل فاضل: » تُرى ما الكلمة الأخيرة التي نطق بها إبراهيم جلال كإنسان وفنان؟«. وظلت بقية الكلمات في ذاكرتي لأنها بدت لي كأنها لا تتحدث عن إبراهيم وحده، وإنما عن جيل كامل أكلت الحروب والسنوات ما كان يمكن أن يكون زمنه الإبداعي. ثم جاءت صورة فاضل الأخيرة، وهي الصورة التي لم أستطع التخلص منها: »إبراهيم يغادر خشبة المسرح والحياة، وقد نسي معطفه الموشّى بالحرير، متعمداً، في ظلمة المسرح العراقي«.


