إيلاف من أصيلة: قال مشاركون،في ندوة فنية حول"جداريات أصيلة:نحوهوية بصرية للمدينة"،جرت نهاية الاسبوع ضمن فعاليات الدورة الصيفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي ال47،التي تنظم تحت رعاية الملك محمد السادس،إن استمرارية تجربة جداريات أصيلة، وتجددها عاما بعد عام، مع اختلاف الأجيال والأساليب والرؤى الفنية،تمثل حالة نادرة في تاريخ الفن العمومي المعاصر.
وشدد المشاركون على أن التجربة تجمع بين الوفاء لروح التأسيس والانفتاح على التحولات،وتحافظ على هويتها من دون أن تنغلق على نفسها،ولذلك استطاعت أن تظل حية ومتجددة، وأن تبقى مصدر إلهام لكثير من المبادرات الثقافية داخل المغرب وخارجه.

ومن هذا المنطلق، دعا المشاركون إلى الحفاظ على روح أصيلة، من خلال المحافظة على معايير إنجاز هذه الجداريات في إطار ضوابط تروم الحد من الفوضى الفنية.
هوية مدينة
وقال حاتم البطيوي ، أمين عام مؤسسة منتدى أصيلة ، إنه يصعب الحديث عن أصيلة اليوم من دون استحضار جدارياتها، التي تجاوزت، منذ انطلاق موسم أصيلة الثقافي الدولي سنة 1978، حدود كونها تجربة تشكيلية في الفضاء العام، لتغدو "أحد أهم المكونات الرمزية لهوية المدينة، وأحد أبرز تجليات مشروعها الثقافي والحضاري".
وشدد البطيوي على أن "الجداريات، في جوهرها، ليست زينة للجدران، ولا تدخلا جماليا عابرا في النسيج العمراني، وإنما هي ممارسة ثقافية تعيد تعريف العلاقة بين الفن والمجتمع، وبين الفنان والفضاء العمومي"؛ من منطلق أنها "تنقل الإبداع من القاعات المغلقة إلى الشارع، ليصبح متاحا للجميع، ويتحول إلى جزء من الحياة اليومية، وإلى لغة بصرية يتشاركها السكان والزائرون والعابرون على السواء".
ذاكرة بصرية
رأى البطيوي أن "ما يميز تجربة أصيلة هو أنها لم تجعل المدينة مجرد إطار يحتضن الأعمال الفنية، بل جعلت المدينة نفسها موضوعا للإبداع وشريكا فيه". فكل جدارية، يقول البطيوي،تضيف معنى جديدا إلى المكان، وكل موسم يكتب فصلا آخر في ذاكرة بصرية تراكمت عبر ما يقارب نصف قرن، حتى غدت جدران المدينة سجلا مفتوحا لتاريخ من الحوار بين الأجيال، وبين المدارس الفنية، وبين الثقافات القادمة من جهات العالم المختلفة.

حاتم البطيوي امين عام مؤسسة منتدى أصيلة يتحدة في الجلسة الافتتاحية للمنتدى وبدا الى جانبه الناقد شرف الدين ماجدولين
وأَضاف البطيوي أن الجداريات صنعت، عبر هذا التراكم، شخصية بصرية خاصة لأصيلة، حتى باتت المدينة تُعرف بها، ويقترن اسمها بالفن العمومي في أرقى تجلياته. ومن هنا، لم يعد وصف أصيلة بمدينة الفنون مجرد تعبير مجازي، بل أصبح توصيفا يستند إلى تجربة متواصلة، وإلى مشروع ثقافي استطاع أن يجعل من الإبداع جزءا من النسيج اليومي للمدينة، ومن الثقافة أداة لبناء المجال وتطويره.
وعي مدني
رأى البطيوي أن من أهم ما أنجزته تجربة أصيلة أنها لم تكتف بترسيخ الذائقة الجمالية، وإنما أسهمت، في الآن نفسه، في بناء وعي مدني جديد قوامه احترام الفضاء العمومي والمحافظة عليه. فحين تتحول الجدران إلى أعمال فنية، يضيف البطيوي، يصبح الحفاظ عليها حفاظا على قيمة ثقافية مشتركة، وحين يعتاد الأطفال والشباب رؤية الفن جزءا من محيطهم اليومي، ينشأ لديهم وعي تلقائي بأن الجمال مسؤولية جماعية، وأن نظافة المدينة وصيانة فضاءاتها ليست مجرد واجب إداري، بل هي تعبير عن احترام الإنسان لبيئته ولمجاله المشترك. ومن هنا، يقول البطيوي، كانت الجداريات مدرسة هادئة للتربية على البيئة، وعلى المواطنة، وعلى صون المجال الحضري.
الفنان المغربي محمد المرابطي والباحثة سوسن المليحي والفنان عبد الكريم الوزاني
وشدد البطيوي على أن تجربة أصيلة قد أسهمت، عبر السنوات، في ترسيخ ثقافة العناية بالمدينة، واحترام الفضاء العام، وتعزيز الإحساس بالانتماء إلى مكان يستحق أن يُصان ويُحافظ على جماله. ولعل هذا، يضيف البطيوي، أحد أهم أوجه القوة في الفن العمومي؛ فهو لا يغير ملامح المكان فحسب، وإنما يغير أيضا علاقة الإنسان بهذا المكان.
مشروع تنموي وبيئي

الفنان بوعبيد بوزيد
قال البطيوي إن جداريات أصيلة ليست مشروعا جماليا فحسب، بل هي أيضا مشروع تنموي وثقافي وبيئي، أسهم في تعزيز جاذبية المدينة، وفي ترسيخ إشعاعها الثقافي والسياحي، وفي تقديم نموذج عربي وإفريقي رائد يؤكد أن الاستثمار في الثقافة قادر على أن ينعكس مباشرة على جودة الحياة، وعلى صورة المدينة، وعلى مكانتها بين المدن التي جعلت من الفن ركيزة للتنمية المستدامة.

ورأى البطيوي أن افتتاح ندوة حول جداريات أصيلة، لا يعني الاحتفاء بجدارية جديدة أو بموسم جديد فحسب، بل بفكرة آمنت، منذ بدايتها، بأن الثقافة ليست ترفا، وأن الفن ليس زينة، وإنما هو فعل بناء، وصياغة للوعي، واستثمار في الإنسان، وفي المدينة، وفي المستقبل.
"كاتالوغ" تشكيلي
من جهته ، تحدث الفنان التشكيلي المغربي عبد الكريم الوزاني عن علاقته بموسم أصيلة ومع تجربة الجداريات، التي قال إنها تعود إلى منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وشدد على أن المدينة خلقت لديه رؤية مختلفة، بخصوص الجداريات، هذا الفن الذي ظهر في بلدان متعددة، بينها المكسيك، وغيرها من مناطق الثورات، الشيء الذي جعل مواضيعها، هناك، اجتماعية ثورية.
وشدد الوزاني على أن تجربة أصيلة جعلتنا أمام تجربة مختلفة، مقارنة بباقي التجارب عبر العالم، سواء من حيث المكان والزمان، أو من حيث المواضيع المطروقة.

جانب من الجمهور وتبدو الشاعرة المغربية اكرام عبدي وابنتها
وتوقف الوزاني عند خصوصيات تجربة الجداريات في أصيلة، خصوصا تركيز القائمين عليها على التربية الفنية للأطفال واستئناس الساكنة بالتربية الجمالية.
وقارن الوزاني بين طبيعة الاشتغال على اللوحة والجدارية، وشدد على أن الفن ليس شيئا صعبا، وأنه إذا دخل في التعقيد أضاع كل شيء. وقال إن العمل الفني لا يشرح أو يبسط، ما يعني، من وجهة نظره، أن الفنان الذي يفكر في شرح عمله يترك انطباعا بأنه لم يستطع إيصال خطابه ورسالته للمتلقي.
وتحدث الوزاني عن جداريات أصيلة، وما تمثله بالنسبة للساكنة والزوار، مشددا على أنها "كاتالوغ" للفن التشكيلي المغربي، يتعرف من خلال الزوار على المنجز التشكيلي المغربي.
أفضال أصيلة
بدوره ، توقف الفنان التشكيلي المغربي بوزيد بوعبيد عند مشاركاته في موسم أصيلة، مركزا على تجربة الجداريات. وقال إنه لا ينكر أفضال أصيلة عليه. وشدد على أن "من يظن أن تشكيليا يأتي إلى أصيلة ليضيف إليها جمالا هو واهم. فأصيلة في غنى عنا، لأنها جميلة، وتتوفر على كل عناصر الجمال، ونحن نأتي لكي نرشف من رحيق جمالها، ونستفيد منها. إنها عروس في يوم احتفالها، تزف بالأبيض إلى عريسها الأزرق، أي البحر"، يضيف بوعبيد.

الفنان الاصيلي محمد العنزاوي يتابع الندوة
واستحضر بوعبيد الراحلين محمد بن عيسى ومحمد المليحي، مشددا على رمزيتهما، والمفعول الذي يمثله المجتمع المدني من خلال تجربتهما. وتحدث عن أفضال بن عيسى، الذي قال إن روحه تجمعنا الآن وفي المستقبل، الشيء الذي يعني أن على كل فرد أن يترك أثرا؛ وبن عيسى، يضيف بوعبيد، ترك الأثر واقترح الخلف لأجل الاستمرار.
تراكم زمني
تحدث الفنان السوري خالد الساعي عن علاقته بأصيلة، وكيف بدأت تجربته مع موسمها، مستعيدا، في هذا السياق، الدور الذي لعبه الراحل بن عيسى، حتى صار من رواد أصيلة.

الفنان خالد الساعي يتحدث في الندوة
وتوقف الساعي عند تجربة الجداريات، والمعايير الخاصة التي تخضع لها، مستحضرا تجربته كفنان حروفي. كما تحدث عن طريقة استلهام المكان في إبداع الجداريات؛ وقال إنه اشتغل على مواضيع مختلفة للجداريات، خلال مشاركاته في مواسم أصيلة. كما تحدث عن علاقة أبناء أصيلة بالموسم وما يمثله، متوقفا عند التراكم الزمني الذي جعلهم يمتلكون ذائقة تشكيلية ووعيا بصريا، قوامه التهذيب والرقي الجمالي.
وشدد الساعي على أن أصيلة ما تفتأ تلهم زوارها، خصوصا الفنانين. فما من فنان دخل أصيلة، يقول الساعي، خرج منها كما جاء إليها. وختم بالقول إن ما يميز جداريات أصيلة هو أنها تحمل خصوصيات كل فنان.
النظافة والتشكيل
بدوره ، قال الفنان التشكيلي محمد مرابطي إن أصيلة مدرسة. وقبل حديثه عن جداريات المدينة، توقف عند ما ميز وهيأ أصيلة لكي تحتضن فكرة الجداريات، مشيرا، في هذا الصدد، إلى نظافتها، وقال إن النظافة، يمكن اعتبارها نوعا من التشكيل.
كما تحدث مرابطي عن الجداريات، وما تمثله، على مستوى تربية الذوق للساكنة والزوار، بشكل يمكن من فتح حوار معها.
لبنة أولى
من جهتها ، قالت شروق المليحي، الباحثة في الجماليات، إننا عندما نتحدث عن جداريات أصيلة، لا نتحدث فقط عن تجربة فنية أو عن جدران اكتست بالألوان، وإنما عن "مشروع ثقافي إنساني منظم"،وفعل ثقافي جماعي مؤطر، استطاع أن يغيّر علاقة الإنسان بالمكان، وأن يجعل الفن جزءًا من الحياة اليومية لتظل أصيلة "مدينة فن" بهويتها الخاصة.
وانطلقت المليحي من سؤال جوهري: "هل كانت جداريات أصيلة مجرد أعمال فنية تزين الجدران، أم أنها استطاعت أن تبني إنسانًا، وأن تصنع ذاكرة جماعية وهوية بصرية وثقافية لمدينة كاملة؟".
بالنسبة لي، تقول المليحي، "الإجابة واضحة، لأنني عشت هذه التجربة منذ طفولتي، كوني ولدت بمدينة أصيلة واستنشقت رائحة جيرها ونشأت بين جدرانها ونهلت من مؤسستها الثقافية وورشاتها الفنية. كنت أنتظر موسم أصيلة كل سنة بشغف وفرحة لا تضاهى، وأشعر بإحساس لا يمكن أن يفهمه إلا من عاش اللحظة، أجوب الأزقة وأنا أراقب الفنانين وهم يشتغلون على الجداريات منذ الصباح حتى المساء، ... كنت أقف لساعات أمام الجدار، أراقب كيف تتحول المساحة البيضاء إلى عمل فني، وكيف تولد الفكرة، وكيف تختار الألوان، وكيف تتحاور الخطوط والأشكال في ما بينها. كنت طفلة، لكنني كنت أشعر أنني أتعلم شيئا لا يمكن أن أجده في أي كتاب".
وأضافت المليحي: "لم تكن الجداريات بالنسبة إلينا نحن أهل أصيلة مجرد لوحات على الجدران، بل كانت مدرسة مفتوحة في الهواء الطلق ننهل منها دون وعي، نتعرف منها كل سنة على فنانين كبار جاؤوا من المغرب ومن مختلف أنحاء العالم ... كنا نساعد الفنانين ونناولهم علب الصباغة ونحن نلاحظ كيفية مزجهم الألوان ونتأمل طرق اشتغالهم وتقنياتهم التي تختلف من فنان لآخر، ونطرح عليهم الأسئلة".
بالنسبة للمليحي، هذا التكون العميق "لخص لأطفال أصيلةسنوات من الدراسة الفنية الأكاديمية، كان من نتائجه أنهم تعلموااحترام الاختلاف، وأن للفن لغات متعددة، وأن كل فنان يحمل عالمًا خاصًا به كما تعلموا جدلية المحو والخلق، هذا المحو الطقوسي للجدارية، الذي لم يكن هدما للذاكرة، بل آليةً لتجديدها وحماية لها من "التحنط المتحفي"".
وشددت المليحي على أن أعظم إنجاز حققته أصيلة، أنها لم تكتف بجلب الفنانين، بل جعلت سكان المدينة، وخاصة الأطفال والشباب، جزءًا من التجربة. وشددت على أن تاريخ جداريات أصيلة لم يكن للتزين، بل شاركت هموم البلاد وتحولاتها لتحمل رسائل نحو العالم، حيث وثقت القضية الفلسطينية، وقضايا البيئة، وحوار الثقافات، وقضايا الهجرة، والتراث المغربي، ما جعلنا أمام أرشيف بصري متحرك يرصد تحولات المدينة والعالم.
الحفاظ على الإرث
طرحت المليحي سؤالين آخرين: "هل نستطيع اليوم أن نحافظ على هذا الإرث بنفس الروح التي بدأ بها؟"، و"هل يكفي أن نستمر في رسم الجداريات، أم أن علينا أن نحافظ أيضًا على الفكرة التي قامت عليها؟".
وقالت إنها تعتقد أن المحافظة على الجداريات ليس بترميمها أو إعادة رسمها وإنما باحترام النظام والرؤية التي جعلت من أصيلة نموذجًا عالميًا منذ بداياتها الأولى إلى وقتنا الراهن.
ورأت المليحي أن تجربة الجداريات نجحت لأنها لم تكن عشوائية، بل لأنها كانت تقوم على اختيار مدروس للفنانين، وعلى تنسيق دقيق بين الأعمال والفضاء المعماري للمدينة، وعلى رؤية ثقافية تحترم المكان وتحترم المتلقي. ولهذا، تضيف المليحي، "أرى أن من واجبنا اليوم أن نحافظ على هذه الأمانة... فلنرسم، ولكن بوعي. فلنبدع، ولكن باحترام لذاكرة المكان. حتى لا تتحول جدراننا من شاهدة على الجمال إلى شاهدة على الفوضى".
وخلصت المليحي إلى إن الفن في الفضاء العام يحتاج إلى الحرية، لكنه يحتاج أيضًا إلى المسؤولية، واحترام المدينة وتاريخها، واحترام الأمانة التي تركها المؤسسون والفنانون الذين ساهموا في بناء هذا الإرث عبر عقود. وشددت على أن الإرث الحقيقي ليس الجدار، وإنما الفكرة التي جعلت من الجدار وسيلة للتربية الجمالية، وللتواصل بين الفنان والمجتمع. ولهذا، تضيف المليحي، فإن "مسؤوليتنا جميعًا ليست الاحتفاء بهذا الماضي فقط، بل المحافظة عليه، وتطويره، والدفاع عن جودته، حتى تبقى أصيلة مدينةً يُعرف فيها الفن بالتميز، لا بالعشوائية، وبالاختيار، لا بالفوضى".


