: آخر تحديث
دوافع كثيرة جعلته ينخرط في كتابتها

"مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس" مذكرات الوزير السابق جمال أغماني

5
5
5

إيلاف من الرباط: أصدر الوزير المغربي السابق جمال أغماني، أخيرا، كتابا جديدا، تحت عنوان" مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس.. مذكرات وشهادات"، وذلك ضمن منشورات دار التوحيدي بالرباط.

وقال أغماني إن ترتيب المذكرات/ الشهادات، جاء وفق فصول، مشيرا إلى أن "مغرب اليوم، ليس هو مغرب الأمس" الذي اختاره عنوانا للكتاب، هو في الأصل مقولة جاءت في كلمة الامين العام السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، عبد الرحيم بوعبيد، في خطاب القاه بمناسبة انتخابات 1983، وهي مقولة، شدد أغماني على أنها تحمل "معاني محفزة على التعلق بأمل التغيير وعدم اليأس، مما جعلها تظل حاضرة دوما في ذاكرتي".


الوزير السابق جمال أغماني

وأوضح أغماني، في كلمة على ظهر غلاف الكتاب، أن الحكي جاء على شكل شذرات من ذكريات زمن الطفولة، وشهادات عن مرحلة مدرسة الشبيبة الاتحادية والاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وحول عدد من الأحداث التي طبعت الحياة السياسية بالمغرب كما عاشها، وكيف وجد نفسه يخوض عددا من المعارك الانتخابية كداعم وكمرشح وكمستشار جماعي وكنائب برلماني، مرورا بما تحمل من مسؤوليات في حياته السياسية والمهنية، وصولا إلى مرحلة اختبار ما آمن به من قناعات عندما تحمل مسؤولية وزارة التشغيل والتكوين المهني، وكيف التحق بمهام الاستشارة الدولية. وهي محطات، قال أغماني إنه استحضرها في هذا الحكي بما لها وما عليها. وشدد على أنه لا يمكن له اليوم إلا الاعتزاز بما قدمه وأسهم به، بأحداث بعضها لطيف وآخر كان جد مؤلم.

دوافع الكتابة
عن الدوافع الذي جعلته ينخرط في كتابة مذكراته / شهاداته، قال أغماني إنها "عديدة"، مركزا على حديثه على المناسبات التي جمعته بثلة من الأصدقاء، ممن تقاسم معهم محطات في حياته الدراسية  والنضالية والمهنية، والتي كانت تتيح إمكانية استرجاع الذكريات المشتركة بكثير من الحنين الإنساني. وهي ذكريات، أشار أغماني إلى أن بعضها كان يدخلهم في سجالات حول كيف عاشوا وتفاعلوا مع بعض الوقائع والأحداث". وأضاف: "مرارا ما كنت أجد نفسي أواجه بدعوات لكتابة وتوثيق شهاداتي حول بعضها. فكنت أجيب بأنني لا أرى ضرورة في ذلك، لكن في واقع الأمر، كنت أتهرب من دخول هذه المغامرة تقديرا لصعوباتها".

خمس مناسبات محفزة
قال أغماني، في سياق حديثه عن دوافع الحكي، إن ما شجعه على الكتابة هو مشاركته في عدد من اللقاءات، التي طلبت منه الجهات المنظمة لها، تقديم مداخلات أو شهادات حول بعض المحطات، مما جعله يتجاوز بعضا من تحفظاته، والدخول في مغامرة الكتابة.
واستعرض أغماني، في هذا السياق، خمس مناسبات، قال إنه كان لها دور في مغامرة النبش في الذاكرة. وتعود المناسبة الأولى لمنتصف سنة 2012 مع بداية مشواره كاستشاري خارجي لمنظمة العمل الدولية في قضايا العلاقات المهنية والحوار الاجتماعي وسوق العمل وما هو مقبل عليه من تحولات بفعل الثورة الصناعية الرابعة، ثم كاستشاري بمشروع النهوض بالحوار الاجتماعي في الضفة الجنوبية للمتوسط من 2016 إلى 2018، ومع منظمة العمل العربية في إنجاز عدد من الدراسات. أما المناسبة الثانية،فكانت بمدينة طنجة في أواخر سنة 2016، مع نسيج مدني متنوع في إطار مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية؛ حيث طلب منه تقديم مداخلة حول أسس إرساء سياسة عمومية من خلال تجربته على رأس وزارة التشغيل والتكوين المهني. أما المناسبة الثالثة، فترجع إلى سنة 2018 بمدينة تمارة، حين نشّط لقاءامفتوحا مع عينة من تلاميذ مؤسسة تعليمية، تواجههم مشاكل اجتماعية صعبة من شأنها أن تعيق مشوارهم الدراسي، وذلك لتحفيزهم على التحصيل الدراسي باستعراض جوانب من مساره الدراسي  إلى أن عين وزيرا. أما المناسبة الرابعة، فكانت بمدينة المحمدية سنة 2018، خلال لقاء مع طلبة كلية الحقوق حول الحوار الاجتماعي. بينما كانت المناسبة الخامسة بمدينة مراكش سنة 2019، مع برنامج "إنجاز المغرب"، والذي طلب منه خلاله تقديم صورة عن فترة حياته كطالب جامعي.

تجاوز التردد
قال أغماني إن اللقاءات، المشار إليها أعلاه، فضلا عن مناسبات أخرى، جعلته يتجاوز، إلى حد ما، التردد الذي كان لديه، ليدخل مغامرة النبش في الذاكرة؛فقام بتحرير الفصل الأول من هذه المذكرات / الشهادات، لكن التزامات مهنية مرتبطة بتقديم عدد من أعمال الاستشارة خارج المغرب وفي إنجاز عدد من الدراسات أخرت المشروع، فظل مؤجلا.
وأضاف أغماني أنه لما عزم على استئناف الكتابة، وجد نفسه يواجه عددا من الأسئلة، من قبيل: "من أين أبدأ؟ وأين سأنتهي؟"، و"هل أكتب سيرة ذاتية؟ أم سأكتب عن وقائع بعينها؟"، و"ما الفائدة من الرجوع إليها اليوم؟"، و"هل يتعين جعلها مناسبة لتوضيح ملابسات بعض الأحداث التي عشتها أو كنت شاهدا عليها، والتي كان بعضها مثار عدد من الكتابات والتي جانب بعضها الصواب أو لم تكن دقيقة؟"، و"هل أكتب عن تجربتي في عدد من مواقع المسؤولية السياسية والمهنية التي تحملت؟"، و"هل أكتب لعموم القراء ممن ستتاح لهم فرصة الاطلاع على هذه المذكرات / الشهادات من أبناء جيلي والجيل الحالي؟ أم هل سأكتب لنفسي بما يسمح لي بالتحرر مما كنت أحتفظ به في ذاكرتي؟"، و"في أي حدود سأكتب؟"، و"هل سأتمكن من تجاوز عائق واجب التحفظ حول بعض الوقائع بفعل ما تحملت من مسؤوليات؟".

رواية شخصية للأحداث
قال أغماني إنه وجد نفسه يسترجع ما لايزال عالقا بذاكرته مستعينا ، في بعض الأحيان، بما لديه من وثائق من أرشيفه الشخصي. وأشار إلى أن المهمة لم تكن بالسهلة، كما صور له ذلك أصدقاؤه؛ إذ أنه كلما استرسل في الكتابة، كان يود العدول عن متابعتها. فــ"أن تروي بعض الأحداث والوقائع شفاهيا، أيسر بكثير من السعي لتوثيقها"، يقول أغماني، قبل أن يضيف: "فـاللغة ومفرداتها كثيرا ما لا تسعف في نقل عدد من التفاصيل، بالأحاسيس والهواجس التي عشتها بها. كما أننا عندما نتقدم في السن، تتغير قراءاتنا لعدد من الأحداث، ويصبح قياسها عموما يتسم بالنسبية، عكس اللحظة التي كنا نعيشها ونتفاعل معها، مما يجعل مهمة الكتابة صعبة، خاصة وأنني آخذت عن نفسي أن أتخلص ما أمكن من عدد من الأحكام التي كانت لدي حول عدد من تلك الأحداث، ليتم نقلها بقدر كبير من الأمانة والصدق. لكن وجب الإقرار، أن الذات الإنسانية ولو أنك تكتب عن بعد، قد لا تسعفك في بعض الأحيان، وبالتالي تبقى بعض الأحداث والوقائع التي توقفت عندها، هي بمثابة روايتي الشخصية لها".

ورود وأشواك
قال أغماني إن المذكرات/ الشهادات جعلته يستحضر مرحلة طفولته، وكيف وجد نفسه منخرطا وفي سن جد مبكرة في العمل السياسي من خلال منظمة الشبيبة الاتحادية، مرورا بمرحلة الحركة الطلابية، وما تحمل من مسؤوليات فيما بعد كمستشار جماعي وكبرلماني وبالمكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي، مرورا بفترة حياته المهنية بما تحمل خلالها من مهام إدارية كمكلف بالدراسات، فمدير مركزي، وصولا لتعيينه وزيرا للتشغيل والتكوين المهني، واليوم كاستشاري دولي حول قضايا الشغل والعلاقات المهنية والتحولات الجارية في سوق الشغل.
وشدد أغماني على أن مساره لم يكن مليئا بالورود، كما لم يكن مليئا بالأشواك؛ لأنه كان، وبكل بساطة، "مسار عينة من جيل تفاعل مع الأحداث السياسية التي عاشها المغرب خلال فترة السبعينات من القرن الماضي إلى بداية الألفية الجديدة. أو بصورة أدق، عينة من جيل تعلق بفكر اليسار وآمن باستراتيجية النضال الديمقراطي التي أطلقها حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بعد مؤتمره الوطني الاستثنائي لسنة 1975، وانخرط فيها بحماس بكل ما حققته من نجاحات ومكتسبات لا ينكرها إلا جاحد، وكذا انكسارات".
وأضاف أغماني أنه في عدد من المناسبات، لما كان يواجه بالسؤال حول ما تحمل من مسؤوليات في مسار حياته السياسية والمهنية، كان جوابه التلقائي أنه لم يسع يوما إلى هذه المسؤوليات. وقال إن هذا ما تأكد له في هذه المذكرات / الشهادات عند توقفه عند الظروف التي صاحبت أو أسهمت في تحمله عددا منها. وأضاف موضحا: "لم أنافس على جلها، بل يتم تكليفي بتحملها، لأن تقلد المسؤوليات لدى أبناء / بنات جيلي بفعل ما كنا نحمل من قناعات، كان يعتبر تكليفا ومهمة نضالية وليس تشريفا. كما كان أبناء / بنات جيلي كثيرا ما يتخوفون من تحمل المسؤولية ويقدرون ثقلها وصعوباتها، في ظل مناخ سياسي جد صعب على مستوى احترام حرية التعبير والرأي والانتماء والنضال من خلال حزب يساري كالاتحاد الاشتراكي،الذي شكل منذ التأسيس عصب وركيزة المعارضة بالمغرب، وقدم في ذلك تضحيات لا تحصى ولا تعد".
وأشار أغماني إلى أن عددا من الوقائع التي ظلت موشومة في ذاكرته بكل شخوصها وتعبيراتها والأحاسيس التي عاشها بها، هي التي حاول ما أمكن استرجاعها في هذا الحكي، والتي كان من ورائها والداه، رحمة الله عليهما، اللذان بذلا جهدا كبيرا، وكافحا لتربية وتعليم أبنائهما الستة؛ فضلا عن عدد من الصديقات والأصدقاء بحي "القبيبات" بالرباط الذي ولد ونشأ فيه، وبمدرسة الشبيبة الاتحادية ابتداء من سنة 1975، وهي المنظمة الشبابية التي كان لها إلى جانب الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، دور كبير في تشبعه بالمبادئ المناصرة لقضايا الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وبمدينة سلا، وعلى وجه التحديد بحي "تابريكت"، الذي انتقل للسكن به سنة 1985، حيث وجد نفسه ابتداء من سنة 1992 في خضم عدد من المحطات الانتخابية الجماعية والبرلمانية، من موقع الداعم والمرشح والمستشار الجماعي والنائب البرلماني.

مسار صعب
قال أغماني إن الأمر يتعلق بمسار ساهم فيه كذلك كل من اشتغل معهم أو أتيحت له الفرصة للعمل بجانبهم، والذين قال إنه تعلم منهم الكثير في حياته المهنية ابتداء من سنة 1982، وصولا إلى تعيينه وزيرا للتشغيل والتكوين المهني سنة 2007. وهي المرحلة، التي قال عنها إنها كانت "جد صعبة"، وشكلت "اختبارا حقيقيا" له، لإيجاد الأجوبة على عدد من الانتظارات، بما يعكس ما يحمل من قناعات وما يؤمن به من اختيارات.

بياضات عالقة
قال أغماني إنه، بعد نهاية تحرير مذكراته / شهاداته، اكتشف أن العديد من البياضات ما زالت عالقة، إما لأن ذاكرته لم تسعفه في استرجاع عدد من الوقائع، أو لأنه لم يتوقف عند بعضها؛ غير أنها تبقى حاملة لشهادات صادقة حول مجموعة من الأحداث والمواقف كما عاشها وتفاعل معها.
وأشار أغماني إلى أن من هذه الأحداث والمواقف ما كان جد طريف، وما كان جد مؤلم، وهو ما جعلها تظل عالقة في ذاكرته. بعض منها إلى حد ما معروف لدى ثلة من الصديقات والأصدقاء بصيغة أو أخرى، وهو ما سيجعلهم يجدون أنفسهم في بعض فقرات هذا الحكي، إذا ما أتيحت لهم فرصة الاطلاع عليه. في حين ظل البعض الآخر حبيس الذاكرة، وقال إنه تحرر منه بعد كتابة هذه المذكرات / الشهادات. كما جاءت مشفوعة بعدد من القصائد الشعرية التي يعتبرها خالدة، مما جعل ذاكرته تحفظ أبياتا منها، نظرا للوقع الذي خلفته آنذاك لدى العديد من أبناء جيله.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات