: آخر تحديث

الكاميرا رفيقة العمر

2
3
3

ثمة ذكريات لا تُستعاد بوصفها أحداثًا عابرة مرّت في حياتنا ثم انطفأت، بل تبقى حيّة في أعماقنا كأنها جزء من تكوين الروح نفسها. ذكريات لا تحتاج إلى مَن يُقيّمها أو يشرح قيمتها، لأنها وُلدت من القلب مباشرةً، وعاشت فيه طويلًا حتى غدت أشبه بندبة جميلة لا تزول. وحين نستعيدها اليوم، لا نفعل ذلك بدافع الحنين وحده، بل لأننا نبحث عبرها عن ملامحنا الأولى، عن تلك البدايات البسيطة التي صنعت ما نحن عليه الآن، بصخبها وبراءتها وأحلامها الصغيرة.

ومن بين تلك الذكريات التي ما زالت تقف في داخلي بكل تفاصيلها، علاقتي الأولى بكاميرا التصوير. تلك الآلة الصغيرة التي لم تكن بالنسبة إليّ مجرد أداة لالتقاط الصور، بل نافذة واسعة على العالم، ووسيلة لاكتشاف الناس والأماكن والحياة. أذكر جيدًا أنني، ومنذ سنوات اليفاعة الأولى، كنت مأخوذًا بسحر الصورة، وبذلك الشعور الغامض الذي يجعل لحظة عابرة قادرة على أن تعيش إلى الأبد داخل إطار صغير.

كان ذلك منذ أكثر من خمسة وأربعين عامًا، يوم كانت مدينة الرقة، مسقط رأسي، تستقبل أفواج السيّاح القادمين من بلدان بعيدة، ولا سيما من ألمانيا وهولندا، لزيارة مواقعها الأثرية والسياحية. كانت المدينة يومها تبدو أكثر انفتاحًا على العالم، وأكثر امتلاءً بالحياة والحكايات. وكنت، وأنا الفتى الصغير، أراقب هؤلاء الزوار بدهشة لا تخلو من الفضول، أتأمل الكاميرات المعلّقة على أكتافهم كما لو أنها كنوز قادمة من عالم آخر.

في أحد أيام الربيع، التقيت بصديق كان يعمل مرشدًا سياحيًا ومترجمًا يرافق الوفود الأجنبية بين المدن والمواقع الأثرية السورية. وهناك، قرب المسجد الجامع في الرقة، عرّفني إلى سائح ألماني كان يحمل كاميرا احترافية من طراز لم أره من قبل. ما زلت أذكر كيف أنزلها الرجل عن كتفه بهدوء، وبدأ يلتقط صورًا للمكان، بينما كنت أراقبه بعينين ممتلئتين بالدهشة. وربما شعر الرجل بشغفي الصامت، فابتسم وناولني الكاميرا، ثم علّمني كيف يمكن أن ألتقط صورة له برفقة صديقي المرشد السياحي.

كانت تلك اللحظة، على بساطتها، أشبه ببوابة انفتحت أمامي على عالم جديد. شعرت يومها أنني لا أمسك آلة تصوير فحسب، بل أمسك الزمن نفسه. ومنذ تلك اللحظة، بدأ تعلّقي بالكاميرا يكبر داخلي يومًا بعد آخر، حتى تحوّل إلى شغف حقيقي رافقني طوال العمر.

لم أكن أطمح يومها إلى كاميرات فاخرة تحمل أسماء عالمية لامعة مثل كانون أو نيكون أو سوني، بل كان حلمي أبسط من ذلك بكثير: أن أمتلك كاميرتي الخاصة، أيًا كان نوعها أو سعرها. ولهذا بادرت، بعد فترة قصيرة، إلى شراء كاميرا مستعملة من نوع كانون، كانت متواضعة الإمكانات، لكنها بالنسبة إليّ كانت أثمن من أي شيء آخر. وربما لم يكن الأهم في تلك المرحلة جودة الصورة بقدر ما كان الشعور بأنني أصبحت قادرًا على الاحتفاظ بالأماكن والوجوه واللحظات قبل أن تبتلعها الأيام.

وبتشجيع كبير من والدي، بدأت أتنقّل بين المواقع الأثرية والقرى البعيدة في الرقة وريفها، ألتقط الصور لكل ما يثير انتباهي: وجوه الفلاحين، الحقول الممتدة، الأطفال، الأزقة القديمة، والبيوت الطينية التي كانت تختزن دفئًا إنسانيًا خاصًا. ومع الصورة، بدأت علاقتي بالكلمة تكبر أيضًا، فصرت أجري حوارات صحافية بسيطة مع أبناء الريف، وأسجّل تفاصيل حياتهم اليومية بعفوية المحبّ لا بعين الصحافي المحترف بعد.

هناك، في تلك السنوات المبكرة، وُلدت علاقتي الحقيقية بالصحافة. لم تكن المهنة بالنسبة إليّ مجرد وسيلة للعمل أو الشهرة، بل كانت امتدادًا لذلك الشغف القديم بالصورة والإنسان والمكان. ولهذا بدأت عملي الصحافي مبكرًا وأنا ما زلت في المرحلة الإعدادية، مراسلًا رياضيًا لصحيفة "الأسبوع الرياضي" التي كانت تصدر في دمشق، وكأن الكاميرا والقلم كانا يسيران معًا في الطريق ذاته منذ البداية.

ومع مرور السنوات، تحوّلت الكاميرا إلى جزء من حياتي اليومية، لا أستطيع السفر أو الكتابة أو التوثيق من دونها. كانت ترافقني في المدن والقرى، في الفرح والتعب، وفي كل محاولة للإمساك بما يهرب سريعًا من ذاكرة البشر. وحتى بعد استقراري للعيش في النمسا، ظلّ هذا الشغف يرافقني كما لو أنه قطعة من روحي لا يمكن التخلي عنها. فاقتنيت كاميرات حديثة من طراز نيكون D750 وD850، مع عدساتها وإكسسواراتها المختلفة، وصرت أتابع بشغف تطور عالم التصوير وتقنياته الحديثة، ذلك العالم الذي لا يتوقف عن الإدهاش.

لكن الحقيقة التي أدركتها مع الزمن أن الكاميرا لم تكن يومًا مجرد آلة متطورة أو عدسة دقيقة، بل كانت وسيلتي الخاصة لفهم الحياة. فمن خلالها تعلّمت أن الإنسان قد ينسى الكثير من التفاصيل، لكنه لا ينسى صورة صادقة التُقطت في لحظة حقيقية. وتعلّمت أيضًا أن الصورة ليست توثيقًا للمكان فقط، بل توثيق للمشاعر التي عشناها فيه، وللأشخاص الذين مرّوا في حياتنا ثم غابوا.

ولهذا ما زلت، حتى اليوم، أقف مبهورًا أمام أي كاميرا جديدة، لا بسبب قيمتها المادية أو تطوّرها التقني فحسب، بل لأنها تذكّرني بذلك الفتى الصغير الذي وقف يومًا قرب المسجد الجامع في الرقة، يحمل كاميرا غريبة بين يديه للمرة الأولى، ويشعر أن العالم كلّه صار أقرب إلى قلبه.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.