في الذاكرة الإماراتية، حيث تتقاطع البدايات الصعبة مع الإرادة الصلبة، يبرز اسم الدكتور عبد الله صالح السويجي بوصفه واحدًا من أبناء الجيل المبدعين الذي لم تُهبه الحياة طريقًا معبّدًا، بل دفعته ليصنع طريقه خطوةً خطوة، بين البحر والمدرسة، وبين مسؤولية الأسرة ونداء المعرفة، حتى صار اليوم أستاذًا جامعيًا ورئيسًا للمجلس البلدي في مدينة كلباء، جامعًا بين الفكر والمجتمع في مسار واحد هادئ وثابت.
ولد السويجي في زمن كانت فيه الحياة أكثر قسوةً وبساطة، قبل قيام الاتحاد، حيث لم تكن الفرص متاحة كما هي اليوم، وكان على الإنسان أن يتعلّم باكرًا معنى المسؤولية. وقد حمل منذ طفولته عبء الأسرة باعتباره الابن الأكبر، فقام بدور الأب في غيابه، وتحمّل مبكرًا معنى أن تكون الحياة التزامًا لا رفاهية. هناك، بين الحاجة والعمل، تشكّلت أولى ملامح شخصيته: الصبر، والانضباط، والإحساس العميق بالواجب.
كانت أيامه الأولى موزعة بين المدرسة والبحر ومزارع النخيل، يبدأ العمل منذ ساعات الفجر الأولى، يرافق والده في رحلة صيد السمك، ثم ينطلق إلى سوق الشارقة لمسافات طويلة، قبل أن يعود ليكمل يومه الدراسي. تلك الرحلة اليومية القاسية لم تكن مجرد تفاصيل حياة، بل كانت مدرسة مبكرة لصناعة الإنسان الذي يفهم قيمة الجهد، ويعرف أن النجاح لا يُمنح بل يُنتزع.
من هذه الخلفية، تخرج من مدرسة سيف اليعربي الثانوية عام 1979، حاملًا معه حلمًا لم يكن واضح الملامح بعد، لكنه كان مشبعًا بالإصرار. ثم واصل دراسته في جامعة الإمارات، كلية الإدارة العامة والسياسية، وتخرج عام 1984، في مرحلة لم تكن سهلة عليه نفسيًا، لأنه كان ما يزال يحمل مسؤولية أسرته ماديًا ومعنويًا، حتى وهو على مقاعد الدراسة. لكن تلك التجربة الجامعية، بالرغم من صعوبتها، صقلت شخصيته ورسخت لديه فكرة أن المعرفة ليست عزلة عن الواقع، بل امتداد له.
بدأ مسيرته المهنية مباشرة بعد التخرج رئيسًا لقسم المشتريات في مستشفى كلباء، لكنه لم يتوقف عند حدود الوظيفة، بل ظل يطارد طموحه العلمي، حتى حصل على منحة دراسية إلى إيرلندا لنيل دبلوم عالٍ في إدارة المستشفيات.
كانت تلك التجربة منعطفًا حاسمًا، لم تخلُ من التحديات، فقد واجه صعوبة اللغة والاغتراب الثقافي، لكنه حوّل ذلك إلى فرصة للتعلّم المباشر من الحياة، حتى إنه اختار أن يتعلم اللغة من خلال التواصل الإنساني اليومي، لا من القاعات التقليدية فقط، فكان ذلك درسًا إضافيًا في مرونة العقل وقدرته على التكيّف.
وحين عاد إلى الوطن، عاد أكثر نضجًا، ليتولى إدارة مستشفى كلباء، قبل أن يواصل مساره الأكاديمي نحو الدكتوراه في الإدارة، في رحلة علمية كانت تعكس إيمانه العميق بأن الإدارة ليست وظيفة، بل رؤية في فهم الإنسان والمؤسسة معًا.
لكن ما يميز تجربته حقًا هو هذا التداخل العميق بين الإدارة والإنسان. فهو لا يرى المدير بوصفه صاحب مكتب مغلق، بل بوصفه جزءًا من حركة المجتمع، قريبًا من الناس، ومتفاعلًا مع تفاصيلهم اليومية.
ومع مرور الزمن، انتقل إلى العمل الأكاديمي، ليحمل فكره الإداري إلى الجامعة، متنقلًا بين مؤسسات علمية عدة، قبل أن يستقر في جامعة الشارقة أستاذًا جامعيًا، ثم مديرًا لكلية الشارقة للطلاب، إلى جانب مسؤوليته المجتمعية كرئيس للمجلس البلدي في مدينة كلباء. وفي هذا الجمع بين الموقعين، تتجلى شخصيته الهادئة التي توزّع الوقت بين المعرفة وخدمة المجتمع، دون أن يطغى أحدهما على الآخر. لقد ظل في كل محطاته، وفيًا لفكرة بسيطة وعميقة في آن: أن الفعل يجب أن يطابق القول، وأن الإدارة الحقيقية تبدأ من السلوك قبل اللوائح، ومن القدوة قبل القرار.
وهو حين يتحدث عن تجربته، يعود دائمًا إلى تلك البدايات الأولى، حيث كان البحر جزءًا من الحياة، والعمل امتدادًا للطفولة، والمسؤولية سابقة على كل شيء. ومن هناك، تشكلت قناعته بأن الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يتحمله ويصنعه بالرغم من الظروف.
تميّز السويجي في مسيرته الأكاديمية داخل الجامعة بأداء يجمع بين الصرامة العلمية والإنسانية الهادئة، فكان أستاذًا قريبًا من طلبته، يصغي إليهم بقدر ما يعلّمهم، ويؤمن أن المعرفة لا تُلقّن بل تُبنى بالحوار والتجربة. لم تكن علاقته بالطلبة علاقة قاعة وامتحان، بل علاقة توجيه وتربية فكرية، يفتح فيها مساحة للتساؤل ويشجّع على التفكير النقدي.
وفي تعامله مع الزملاء والناس، عُرف بالبساطة والتواضع واحترام الآخر، فكان حضوره الاجتماعي امتدادًا لعمله الأكاديمي، يجمع بين رصانة الأستاذ ودفء الإنسان، مما أكسبه محبة واسعة وثقة راسخة في الوسط الجامعي والمجتمعي.
وكان كثيرًا ما يحدثني عن مآثر الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة، بإعجاب عميق يمتزج بالتقدير الإنساني، مستحضرًا إنسانيته الرفيعة وقربه من الناس وحرصه على بناء الإنسان قبل العمران. وكان السويجي، الذي عرفه عن قرب في سياقات فكرية ومؤسسية، يرى فيه نموذجًا للحاكم المثقف، الذي يجمع بين الحكمة في القيادة والرؤية في البناء، وبين محبة الناس والعمل المتواصل من أجلهم، وهو ما كان يصفه دومًا بأنه مدرسة في الإدارة والإنسان معًا.
ومنذ مطلع عام 2003، تعرّفت إليه عن قرب، فوجدت فيه صديقًا وفيًا في مواقفه، نقيَّ العلاقات، صادقَ المودة، وشهمًا في المواقف الإنسانية حين يشتدّ الاختبار. وقد جمعتنا عبر السنوات علاقات معرفية وثقافية امتدت في فضاء الحوار والفكر، فازددت قربًا من شخصيته التي تتسم بالنزاهة وصدق القول، والحرص العميق على أداء الواجب دون مواربة أو تردد.
كما لمست فيه شجاعة الرأي، ووضوح الموقف، ووطنيةً عالية لا تُعلن نفسها بقدر ما تُمارَس في السلوك اليومي، إضافة إلى حب صادق للوطن وللأمة العربية في أوسع معانيها الإنسانية والثقافية. لقد كان، ولا يزال، نموذجًا لرجل يُفكّر بعقل كبير، ويوازن بين الفكر والمسؤولية، وأنا ما زلت أعتز بصداقته وبصداقة هذا العقل الذي يضيف إلى كل حوار عمقًا وهدوءًا وصدقًا.
وفي كل ذلك، يبدو السويجي أقرب إلى نموذج الجيل الذي أسّس نفسه بنفسه؛ جيل لم ينتظر الفرص، بل صنعها، ولم يتعامل مع التعليم بوصفه محطة، بل بوصفه مسار حياة لا ينتهي.
وهكذا، تبقى سيرته امتدادًا لحكاية أكبر من الفرد نفسه: حكاية وطن تشكّل من الكفاح، وصعد من تفاصيل البدايات الصعبة إلى فضاء المعرفة والتنظيم المؤسسي، ليبقى الإنسان فيه هو الغاية الأولى والأخيرة.


