: آخر تحديث

قلعة الشقيف.. هزيمة حزب الله التي يدفع ثمنها وطن بكامله

2
3
3

في أرنون، القرية الجنوبية التي تطلّ على قلعة الشقيف كما لو أنّها تقرأ التاريخ من أكثر الجبال شموخًا، وُلد فؤاد عجمي، ذلك المثقف اللبناني ـ الأميركي الذي حاول من خلال مذكراته وكتاباته أن يعيد الناس إلى أرضهم بعدما حاول الطغاة، ومُطلِقو الشعارات، وتجار الدم، أن يغردوا خارج سربها. لم تكن أرنون بالنسبة إلى عجمي مجرد موقع جغرافي على خريطة الجنوب، بل ذاكرةً عن أناس عاديين هم أهل الأرض، وعن بيوت وعائلات، وعن خوف وأمل، وعن جنوب لم يكن يومًا ملكًا للغرباء مهما كثر العابرون فوق ترابه.

واليوم، حين تسقط قلعة الشقيف مجددًا تحت الاحتلال الإسرائيلي، لا يجوز اختزال المشهد على أنه "خسارة لحزب الله"، ولا حتى في كونه انتصارًا إسرائيليًا عابرًا. فهذه القلعة، الشامخة فوق نهر الليطاني منذ قرون، لم تكن يومًا حجرًا أبكم. بل شهدت على مأساة أكثر عمقًا: إنها مأساة أرض وطئها الغرباء تباعًا، ورفعوا فوقها راياتهم، ثم تركوا وراءهم الخراب كي يدفن أهلها أبناءهم ويعيدوا بناء ما تهدم.

من الصليبيين إلى صلاح الدين، ومن المماليك إلى العثمانيين، ومن فخر الدين إلى جيوش الانتداب، ثم من منظمة التحرير الفلسطينية إلى الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى حزب الله والحرس الثوري الإيراني، بقيت الشقيف شاهدة على الحقيقة ذاتها: كل من جاء إلى هذه الأرض باسم الخلاص انتهى به الأمر بأن حوّل أهلها إلى وقود لمشروعه وأجنداته.

هنا تكمن المأساة. فالقلعة ليست مجرد موقع عسكري؛ وليست مجرد "نقطة استراتيجية" تطل على الجليل والليطاني. قلعة الشقيف هي مرآة، ومن ينظر إليها اليوم يرى وجوه كل الذين ادعوا حماية لبنان فيما كانوا يستخدمونه لمآرب أخرى. يرى وجوه الذين تحدثوا باسم القدس، وباسم الأمة، وباسم المقاومة، وباسم التحرير، وباسم السيادة، لكنهم لم يسألوا يومًا أهل أرنون والنبطية ومرجعيون وبنت جبيل والخيام إن كانوا يريدون أن تتحول بيوتهم إلى متاريس، وحقولهم إلى منصات صواريخ، وذاكرتهم إلى بيانات عسكرية.

حزب الله سيحاول، كعادته، أن يحوّل سقوط الشقيف إلى مادة جديدة في خطاب المظلومية. سيقول إن إسرائيل معتدية، وهذا صحيح. وسيقول إن الاحتلال خطر، وهذا صحيح أيضًا. لكنه لن يفصح عن الحقيقة الجوهرية: من الذي استجلب هذا الاحتلال؟ ومن الذي صادر قرار الحرب والسلم؟ ومن الذي جعل من الجنوب ساحة إيرانية مفتوحة؟ من الذي أقنع الناس أن الموت قدر، وأن الخراب تضحية، وأن النزوح بطولة، وأن العودة إلى منازلهم تفصيل صغير في ملحمة كبرى يكتبها آخرون في طهران؟

ليست المشكلة أن إسرائيل رفعت علمها فوق القلعة. المشكلة أن الدولة اللبنانية لم تكن موجودة كي تمنع هذا المشهد لأن حزبًا مسلحًا قرر أن ينتهك دور الدولة ويحل محلها؛ ثم فشل في حماية الأرض التي صادرها تحت ذريعة حماية أرض الجنوب من الاحتلال. الفاجعة أن من وعد اللبنانيين بالتحرير الدائم أعاد إليهم مشهد الاحتلال. ومن وعدهم بالردع جلب لهم الدمار. ومن قال إن سلاحه يمنع إسرائيل من التقدم، ساعد إسرائيل على التمركز في واحدة من أكثر القلاع رمزية في جنوب لبنان.

لكن الشقيف أقدم من حزب الله، وأقدم من إسرائيل، وأعرق من كل الرايات التي رُفعت فوقها. لقد شهدت على دحر الغزاة ولعدة مرات. رحل الصليبيون، ورحل صلاح الدين والمماليك، ناهيك عن العثمانيين والفرنسيين. وكذلك منظمة التحرير رحلت، وإسرائيل رحلت عام 2000، ثم عادت اليوم لأن لبنان سمح لوكيل إيراني بأن يخطف حدوده وقراره ومصيره. وحزب الله نفسه، مهما علا صوته، لن يستطيع أن يصادر التاريخ إلى الأبد.

الجدير ذكره اليوم وبوضوح: إن قلعة الشقيف ليست قلعة حزب الله كي نرثيها بمنطق الحزب، وليست غنيمة إسرائيلية كي تُقرأ بمنطق الاحتلال. إنها إرث لبناني، وذاكرة جنوبية، ومعلم تاريخي شهد على أن الشعارات لا تحمي الأرض التي يستبيحها الغرباء. الأرض تحميها الدولة ويعيش فيها أهلها، ويحميها قرار وطني لا يصدر من غرفة عمليات إيرانية ولا من خطاب تعبوي يوزع الموت بالتساوي على الفقراء.

في مذكرات فؤاد عجمي، يُسترجع الجنوب كمساحة إنسانية لا كجبهة أبدية؛ ويعود الناس أحياء بأسمائهم، لا بأرقام شهدائهم. تعود القرى كأماكن للعيش، لا كمنصات للصراع الإقليمي. وهذا بالضبط ما يريد الطغاة محوه. فالطاغية لا يحب الذاكرة لأنها تكشف كذبه ومؤامراته. لا يحب القرية لأنها تفضح الإمبراطورية. لا يحب الإنسان لأنه يفسد عليه أسطورة الجماعة المسلحة.

لذلك، سقوط الشقيف اليوم يجب أن يكون لحظة مواجهة لا لحظة بكاء. مواجهة مع إسرائيل، نعم، بوصفها قوة احتلال وعدوان. لكن أيضًا مواجهة مع حزب الله، بوصفه الجهة التي حوّلت الجنوب إلى ساحة مستباحة. ومواجهة مع الدولة اللبنانية التي اكتفت بالبيانات فيما التاريخ يُكتب فوق حجارتها. ومواجهة مع طبقة سياسية جبانة تظن أن الصمت حكمة، بينما الصمت في لحظة سقوط القلاع ليس حكمة، بل تواطؤ.

قلعة الشقيف لن تُهزَم. فالحجر غالبًا ما يكون أطول عمرًا من الطغاة. لكن السؤال ليس إن كانت القلعة ستنجو، بل إن كان اللبنانيون سينجون من هذه الدورة المتكررة من الاحتلال والوكالة والإنكار. السؤال هو هل نستعيد الجنوب كأرض للناس، أم نتركه مرة أخرى لمن يحوّله إلى مسرح لبطولات كاذبة ومآس حقيقية؟

ليست الشقيف هزيمة حزب الله وحده. إنها إدانة لجمهورية قبلت أن تُختطف، ولشعب طُلب منه أن يموت كي لا يعترف قادته بالحقيقة. والحقيقة واضحة: من يسلّم أرضه للغرباء، حتى باسم المقاومة، يستيقظ يومًا ليجد علم الغريب مرفوعًا فوق أعلى قلاعه.

ستبقى قلعة الشقيف بعد أن ترحل كل الرايات. رحل الصليبيون، ورحل العثمانيون، ورحلت منظمة التحرير، ورحلت إسرائيل عام 2000، وسيرحل أيضًا كل من ظن أن الجنوب ملك لمشروعه. لكن السؤال هو: هل يبقى اللبنانيون أسرى الانتظار، أم يستعيدون أرضهم من الاحتلال ومن وكلاء الخارج على حد سواء؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.