الأعداد التي تُعلن من فترة إلى أخرى عن ضحايا الحرب الإسرائيلية في لبنان لا يمكن تجاهلها، بل إن استمرارها يعطي مؤشرًا على أن هذه الحرب قد يطول أمدها، وقد نصل مع مرور الوقت إلى مستويات أعظم وأكبر من النتائج الفظيعة التي نشاهدها لهذه الحرب. لا أعرف ماذا يريد حزب الله من اشتعال حرب كهذه قد لا تكون متكافئة على كافة المستويات، ولماذا يصر حزب الله على تدمير لبنان بهذا الشكل؟
إسرائيل تعلن وتعترف، وفق بيانات رسمية، بأن عدد مَن قتلتهم من حزب الله تجاوز 600 قتيل، والحكومة اللبنانية تعلن عن 3000 قتيل، هذا يعني أن عدد الضحايا من المدنيين يتجاوز 2400 قتيل. ألا تجعل هذه الأرقام حزب الله يعيد النظر في سياساته؟ لست ضد تحميل إسرائيل مسؤولية هذا الدمار الكبير على كافة المستويات الذي حل بلبنان واللبنانيين، بل هي الشر الأكبر في المنطقة، لكنني ضد سياسة حزب الله التي تمنح المجال لإسرائيل أن تفعل ذلك بحجة أنها تدافع عن نفسها وعن دولتها.
ماذا سيحدث لو قرر حزب الله تسليم سلاحه للحكومة اللبنانية، وأعلن ذلك في فترة التفاوض القائمة حاليًا بين الطرفين في الولايات المتحدة الأميركية؟ في تصوري، ستتغير كثير من تفاصيل هذه المعركة، وقد تكون نافذة حقيقية لإعلان سلام حقيقي في المنطقة. إسرائيل، الدولة المدعومة من أميركا، لن تتوقف ولن تهدأ دون أن تحقق كل أهدافها، ولا يعنيها إن طال أمد الحرب أو قصر، فهي دولة لديها من عتاد الحرب ما يمنحها فرص الانتصار على حزب الله، وعلى أي مكون آخر ترى أنه يهدد استقرارها وسيادتها المفروضة في المنطقة.
لذا، من المهم أن يعيد أطراف النزاع في المنطقة حساباتهم، وأن يضع كل طرف مبادراته الحقيقية من أجل السلام أمام الآخر، وعلى المجتمع الدولي حماية هذا الأمر. لن يبقى لبنان بهذا الشكل المحزن تحت نيران العدو الإسرائيلي طوال الوقت، ولن يستطيع حزب الله إيقاف هذا الهجوم الإسرائيلي مهما حاول فعل ذلك، ومن الطبيعي أن يُضغط على حزب الله من كل الأطراف في لبنان، الرسمية والشعبية، من أجل أن يعمل في اتجاه السلام عملاً ملموسًا وواضحًا، وأن يصبح الحزب ضمن إطار الدولة اللبنانية. هذا الانقسام والخروج عن هذا الإطار سيجعل الأمور تتعقد ولن تصل إلى الطريق السليم الذي يضمن للبنان وشعبه الاستقرار والهدوء.
فالحقيقة التي تعرفها دول المنطقة أن إيران، الدولة التي تحمي حزب الله، لم تعد بذات القوة، وهي تعمل الآن على الخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي وضعت نفسها فيه مع الولايات المتحدة الأميركية ودول المنطقة؛ وبالتالي عبثًا يحاول حزب الله أن يقاوم الجيش الإسرائيلي، والنتيجة المزعجة والمحزنة أن لبنان يخسر أراضيه باحتلال إسرائيل لها، ويحوّل مساحة شاسعة من الأراضي اللبنانية على الحدود مع إسرائيل إلى مناطق استقرار لإسرائيل.
اللبنانيون، كشعب وحكومة، يجب أن يكون كل تركيزهم على المصلحة الوطنية التي من الطبيعي أن يكون حزب الله ضمن هذا المشروع، فتسليم سلاح حزب الله للحكومة اللبنانية يعني نهاية حرب، استمرارها يعني أن لبنان الدولة قد تعيش فترات زمنية طويلة تحت وطأة الحروب والقتل والدمار ومزيد من التوسع الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية.
مع مرور الوقت، سيتضح للشعب اللبناني التفاصيل التي يحاول حزب الله إخفاءها حتى لا يشعر بأنه يتحمل الجزء الأكبر من هذا الخراب القائم في لبنان، وهي أن الحزب أصبح شريكًا أساسيًا في دمار لبنان، وهو من يعين إسرائيل على تقسيم الدولة.
الكثير يعقدون الآمال على المفاوضات القائمة في أميركا وتحت إشرافها بين اللبنانيين والإسرائيليين، والوصول إلى حلول تعيد الحياة إلى لبنان.


